يعيش المغرب منذ سنوات على إيقاع نقاش متجدد حول سبل تحقيق الإقلاع الصناعي، باعتباره أحد المداخل الأساسية لضمان التنمية الاقتصادية وتقليص التبعية للخارج. غير أن دراسة حديثة صادرة عن معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، بشراكة مع المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، أعادت فتح ملف التعثرات البنيوية التي تعرقل هذا الطموح، محددة نقطتين جوهريتين: ضعف الاستثمار في البحث العلمي، وغياب العدالة الاجتماعية كرافعة مصاحبة لأي مشروع صناعي.
البحث العلمي.. الحلقة المفقودة:
ترى الدراسة أن أي تحول صناعي حقيقي يستحيل أن يتم بمعزل عن الاستثمار الجاد في البحث العلمي والتقني. ففي الوقت الذي خصصت فيه دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا نسباً معتبرة من ناتجها الداخلي الخام للبحث والابتكار، لا يزال المغرب يصرف نسباً متواضعة بالكاد تغطي حاجيات الجامعات والمختبرات. النتيجة، حسب التقرير، هي غياب قاعدة معرفية صلبة يمكن أن تؤسس لصناعة وطنية متطورة، قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. كما أن ضعف التنسيق بين الجامعة والمقاولة يزيد من تعميق الهوة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات السوق.
العدالة الاجتماعية.. الوجه الغائب في السياسات الصناعية:
البعد الآخر الذي شددت عليه الدراسة يتعلق بغياب العدالة الاجتماعية في صلب السياسات العمومية. فالمقاربات الحالية، وفق التقرير، ما تزال تنحصر في مؤشرات مالية واقتصادية ضيقة، تقيس النمو بمعدلات الاستثمار أو الصادرات، من دون مراعاة كافية لظروف العمل أو الحماية الاجتماعية. هذا الخلل، تضيف الدراسة، يجعل من أي إنجاز صناعي هشاً وقابلاً للانتكاس، لأنه لا يُترجم بالضرورة إلى تحسين جودة حياة المواطنين أو توسيع قاعدة المستفيدين من ثمار النمو.
دروس من التجارب الدولية:
وللتوضيح، استحضرت الدراسة مسار دول آسيوية مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية، اللتين ربطتا بين التصنيع والاستثمار المكثف في التعليم والبحث العلمي، مع بناء سياسات اجتماعية قادرة على تقليص الفوارق وضمان استقرار الطبقة الوسطى. هذه الوصفة جعلت من الابتكار العلمي والعدالة الاجتماعية توأمين لا غنى عنهما في أي مشروع صناعي ناجح.
نحو رؤية متكاملة:
خلص التقرير إلى أن المغرب في حاجة ماسة إلى صياغة رؤية وطنية شاملة، تُوازن بين مقتضيات النمو الاقتصادي وضمان العدالة الاجتماعية، مع جعل الابتكار والبحث العلمي في صدارة الأولويات الوطنية. فالتصنيع، في نهاية المطاف، ليس مجرد مصانع وآلات، بل هو منظومة متكاملة تتأسس على المعرفة، وتستمد مشروعيتها من قدرتها على تحسين حياة الناس وتعزيز الثقة في السياسات العمومية.
التعليقات مغلقة.