أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

البلوغ المبكر وصيام رمضان: قلق صحي وأسري متزايد

لم يعد البلوغ المبكر ظاهرة نادرة كما كان يُعتقد سابقًا، بل أصبح واقعًا صحيًا ونفسيًا يفرض نفسه داخل عدد متزايد من البيوت، بعد ملاحظة انخفاض سنّ البلوغ لدى الأطفال، خاصة الفتيات.

 

هذا التغير، ورغم كونه معروفًا طبيًا، بات اليوم أكثر حضورًا وحدّة، ما يضع العائلات أمام تحديات جديدة، حين تتقدّم التغيرات الجسدية على النضج العمري والاجتماعي.

 

ومع اقتراب شهر رمضان، تتعقّد هذه التحديات، وتجد الأسر نفسها أمام أسئلة دقيقة وحسّاسة تتعلّق بالصيام: هل تُطالب الطفلة التي بلغت مبكرًا بالصيام؟ وهل جسدها قادر صحيًا على تحمّل ساعات الامتناع عن الطعام والشراب؟ ثم إلى أي حدّ يكون القرار دينيًا، وإلى أي حدّ يخضع للتقدير الطبي؟

في هذا الإطار، أوضح أستاذ في العلوم الشرعية أن مسألة صيام الفتاة التي بلغت في سن مبكرة لا يمكن فصلها عن وضعها الصحي، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية لا تُلزم بما قد يترتب عنه ضرر.

 

وأبرز أن التكليف مرتبط بالقدرة، وأن رأي الطبيب المختص يظل المرجع الأساسي في مثل هذه الحالات، لأن الحفاظ على النفس مقدّم على أداء العبادات عند وجود مشقة أو خطر صحي.

 

هذا الموقف ينسجم مع ما تشير إليه الأوساط الطبية، التي تحذّر من الخلط بين ظهور علامات البلوغ واكتمال الجاهزية الجسدية. فالكثير من الأطفال الذين يبدون تغيّرات هرمونية مبكرة يظلون في مرحلة نمو دقيقة، تحتاج إلى تغذية منتظمة وتوازن غذائي دقيق، وقد يتأثرون سلبًا بالصيام، خصوصًا إذا لم يكونوا قادرين على تحمّل الجوع والعطش لفترات طويلة.

 

ويرى مختصون أن التعامل مع البلوغ المبكر يجب أن يكون فرديًا، دون تعميم أو خضوع للضغط الاجتماعي، مشددين على أن صحة الطفلة، جسديًا ونفسيًا، ينبغي أن تكون المعيار الأول والأخير في اتخاذ أي قرار مرتبط بالصيام.

 

وبين التوجيه الطبي والاطمئنان الديني، تتحمّل العائلات مسؤولية اختيار متزن وهادئ، يضع مصلحة الطفلة فوق كل اعتبار، بعيدًا عن الإحساس بالذنب أو الخوف من الأحكام المسبقة، ودون إدخالها في التزامات تفوق قدرتها أو وعيها في هذه المرحلة العمرية.

 

في المحصلة، يظل البلوغ المبكر تحديًا أسريًا حقيقيًا، يحتاج إلى وعي وحوار وتكامل بين الطب والدين، بدل القلق أو الصمت.

 

فاحتضان الطفلة، واحترام خصوصية نموّها، والإنصات إلى حاجاتها الجسدية والنفسية، هو الأساس السليم لعبور هذه المرحلة بأمان، وهو المعنى الأعمق لأي ممارسة صحية ومتوازنة داخل الأسرة.

التعليقات مغلقة.