يُقدَّم التسجيل السمعي-البصري للاستنطاق، الذي جاء به قانون المسطرة الجنائية المغربي رقم 03.23، باعتباره خطوة متقدمة في اتجاه حماية المتهم من التعذيب وسوء المعاملة، وتعزيز الشفافية داخل مرحلة البحث التمهيدي. غير أن قراءة هادئة للنص القانوني، من زاوية حقوقية، تكشف عن مفارقة خطيرة قد تجعل من هذه الآلية، في صيغتها الحالية، عنصر تهديد لقرينة البراءة وجوهر المحاكمة العادلة بدل أن تكون ضمانة لها.
تنص المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية، كما تم تعديلها، على إخضاع الاستنطاق للتسجيل السمعي-البصري في القضايا المتعلقة بالجنايات أو الجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية، مع فتح إمكانية الاستغناء عن هذا التسجيل بقرار معلل لأسباب تقنية أو لضرورات البحث.
وهنا يطرح إشكال قانوني جوهري: كيف يمكن الجزم بأن الأفعال تشكل جناية أو جنحة قبل الاستماع إلى المتهم أصلًا؟
منطق العدالة الجنائية يقتضي أن السماع هو الذي يكشف الوقائع، وأن الوقائع هي التي تسمح بالتكييف القانوني السليم. أما أن يُحدَّد نوع الجريمة قبل الاستماع، فهذا يعني عمليًا أن ضابط الشرطة القضائية يكون قد تبنّى فرضية اتهام مسبقة، قائمة على التخمين لا على ما سيسفر عنه البحث، وهو ما يقلب فلسفة البحث الجنائي من البحث عن الحقيقة إلى تثبيت اتهام مفترض.
بهذا المنطق، يتحول الاستنطاق من لحظة حياد قانوني إلى لحظة إجرائية موجهة، ويصبح التسجيل السمعي-البصري توثيقًا لعملية بُنيت ذهنيًا على افتراض الإدانة. وتزداد خطورة هذا الوضع عندما يُنجز الاستنطاق المصوَّر في ظروف نفسية صعبة، يكون فيها المشتبه فيه في حالة خوف أو هشاشة أو صدمة ناتجة عن الاعتقال، ما قد يجعل من الكاميرا أداة ضغط نفسي بدل أن تكون وسيلة حماية.
الإشكال، إذن، لا يكمن في التسجيل السمعي-البصري في حد ذاته، ولا في مبدأ التوثيق التقني، بل في توقيت استعماله والفلسفة التي تحكمه. فعندما يُصوَّر استنطاق مؤسس على فرضية الذنب، فإن التسجيل لا يعكس بحثًا حرًا ومحايدًا، بل مواجهة غير متكافئة، وقد يمس بشكل مباشر الحق في الصمت والحق في الدفاع.
ويتعاظم هذا الخطر أكثر حين لا يكون التسجيل السمعي-البصري حقًا عامًا ومضمونًا لجميع المشتبه فيهم، بل إجراءً انتقائيًا يمكن الاستغناء عنه بقرار معلل. في هذه الحالة، تُمسّ قاعدة المساواة أمام الإجراءات، وتفقد الضمانة طابعها الحقوقي، لتصبح أداة قابلة للتوظيف حسب طبيعة الملف أو الشخص المعني.
هذا الوضع يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام النص مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، كما وردت في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تؤكد ضرورة معاملة كل شخص على أساس قرينة البراءة، وعدم افتراض الإدانة قبل صدور حكم قضائي نهائي.
خلاصة القول إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التسجيل السمعي-البصري ولا في رجال إنفاذ القانون، بل في ربط هذا الإجراء بتحديد التهمة قبل السماع، وفي تحميل الضابطة القضائية مسؤولية التخمين، وفي تصوير استنطاق بُني على افتراض الإدانة لا على البحث الموضوعي عن الحقيقة. وإذا أُريد لهذا الإجراء أن يشكل مكسبًا فعليًا في مسار العدالة الجنائية، فلا بد من إعادة بنائه على أساس قرينة البراءة، وجعله حقًا عامًا ومضمونًا، لا شاهدًا مصورًا على إدانة مسبقة.

التعليقات مغلقة.