أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

التسول بين الحقيقة والاستغلال عندما تتحول الصدقة إلى تجارة

بدر شاشا

كل يوم، وأمام أبواب المساجد، وفي إشارات المرور، وفي الأزقة والأسواق، يقف أشخاص يمدون أيديهم للناس طالبين الصدقة. مشهد أصبح مألوفاً في حياتنا اليومية، حتى إن الكثير من المواطنين لم يعودوا يعرفون هل أمامهم محتاج حقيقي أم شخص اتخذ التسول مهنة سهلة للربح السريع.

الصدقة في ديننا وفي ثقافتنا المغربية قيمة عظيمة، وهي عمل إنساني نبيل يقوم على مساعدة الفقير والمسكين والمحتاج الحقيقي. لكن المؤسف أن بعض الأشخاص حولوا هذا العمل النبيل إلى وسيلة للكسب دون جهد، بل إلى تجارة قائمة على استغلال عاطفة الناس وطيبة قلوبهم، خصوصاً في الأماكن التي يكثر فيها الخير مثل أبواب المساجد.

هناك من يقف أمام المسجد كل يوم في نفس المكان ولسنوات، يكرر نفس القصة ونفس الكلمات، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن حاله لم يتحسن يوماً. وهناك من يستخدم الأطفال أو النساء أو حتى أشخاصاً في وضع صحي صعب لاستدرار عطف الناس. بعضهم يربح في يوم واحد ما قد لا يربحه عامل بسيط بعد يوم كامل من العمل الشاق.

وهنا يطرح السؤال نفسه بصدق: أين هو المحتاج الحقيقي؟
الحقيقة المؤلمة أن الكثير من الفقراء الحقيقيين لا يمدون أيديهم للناس. تجدهم يعيشون بصمت وكرامة، يتحملون صعوبة الحياة دون أن يطلبوا شيئاً من أحد. هؤلاء هم الذين يستحقون الصدقة فعلاً، لكنهم غالباً لا يقفون في الشوارع ولا أمام المساجد.

إن استمرار إعطاء المال لكل من يطلبه في الطريق دون تفكير يساهم، بطريقة غير مباشرة، في تشجيع ظاهرة التسول وانتشارها. فحين يتحول التسول إلى مصدر دخل سهل، يصبح مغرياً للبعض، خاصة عندما يرون أن الناس يعطون المال بسرعة بدافع الشفقة دون التأكد من حقيقة الوضع.

الوعي هنا ضروري. ليس المطلوب أن نتوقف عن فعل الخير، بل أن نوجهه في الطريق الصحيح. يمكن مساعدة الأسر الفقيرة المعروفة في الأحياء، أو دعم الجمعيات الخيرية الجادة، أو تقديم المساعدة لمن نعرف أنهم فعلاً في حاجة. بهذه الطريقة تصل الصدقة إلى مستحقيها الحقيقيين.

كما أن المجتمع يحتاج أيضاً إلى نشر ثقافة العمل والكرامة، لأن العمل مهما كان بسيطاً يبقى أفضل من الاعتماد على التسول. فالمجتمع القوي هو الذي يحارب الفقر بالعمل والتضامن الحقيقي، وليس بفتح الباب لثقافة الربح السهل دون جهد.

إن الصدقة مسؤولية، وليست مجرد لحظة عاطفة عابرة. وعندما نضعها في المكان الصحيح، فإننا نساعد الفقير الحقيقي ونحمي المجتمع في الوقت نفسه من انتشار ظاهرة التسول التي تسيء لقيمة العمل ولصورة التضامن الإنساني.

ولهذا يجب أن نكون واعين:
أعطوا الصدقات للفقراء والمساكين الحقيقيين، وساعدوا من يحتاج فعلاً، ولا تشجعوا التسول الذي تحول عند البعض إلى ربح مجاني على حساب طيبة الناس.

التعليقات مغلقة.