يجد المغرب نفسه أمام تحديات مركبة تتعلق بندرة المياه وارتفاع الطلب على الطاقة في آن واحد. ومن هذا المنطلق، أطرح بصفتي باحثاً مغربياً في دينامية وتدبير البيئة تصوراً علمياً عملياً يتمثل في تطوير نموذج السدود الكهرومائية الهجينة، الذي يقوم على دمج الطاقة الشمسية العائمة مع البنية التحتية للسدود التقليدية. تعتمد هذه الفكرة على استغلال المساحات المائية الشاسعة لبحيرات السدود عبر تركيب ألواح شمسية عائمة فوق سطح الماء، مما يسمح بإنتاج مزدوج للطاقة: طاقة كهرومائية عبر التوربينات التقليدية، وطاقة شمسية عبر الخلايا الكهروضوئية. هذا التكامل لا يقتصر فقط على رفع القدرة الإنتاجية، بل يفتح أفقاً جديداً لإدارة أكثر ذكاءً للموارد الطبيعية.
من الناحية البيئية، يشكل هذا النموذج حلاً مبتكراً للحد من ظاهرة تبخر المياه، التي تعد من أبرز الإشكالات التي تواجه السدود في المناطق شبه القاحلة. تشير الدراسات إلى أن تغطية جزء من سطح السدود بالألواح الشمسية يمكن أن يقلل من نسبة التبخر بما يصل إلى 30%، وهو ما يمثل مكسباً استراتيجياً للمغرب، خاصة في ظل تراجع التساقطات وتوالي سنوات الجفاف.
كما أن هذه الألواح تساهم في تقليل نمو الطحالب وتحسين جودة المياه عبر تقليص تعرضها المباشر لأشعة الشمس. أما من الجانب الطاقي، فإن الجمع بين مصدرين للطاقة داخل نفس المنشأة يضمن استقراراً أكبر في الإنتاج. فعندما تنخفض مستويات المياه أو تقل القدرة الكهرومائية، يمكن للطاقة الشمسية أن تعوض ذلك خلال فترات الإشعاع المرتفع، والعكس صحيح. هذا التوازن يعزز من مرونة الشبكة الكهربائية الوطنية ويقلل من الاعتماد على الطاقات الأحفورية.
اقتصادياً، يمثل هذا النموذج استثماراً ذكياً طويل الأمد. فالبنية التحتية للسدود موجودة بالفعل، مما يقلل من تكاليف إنشاء مشاريع جديدة، كما أن تقاسم نفس الشبكة الكهربائية ونقاط الربط يساهم في تقليص النفقات التشغيلية. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يخلق هذا التوجه فرص عمل جديدة في مجالات الهندسة البيئية، والصيانة، والتكنولوجيا الخضراء. في السياق المغربي، يمكن لهذا المشروع أن يجد تطبيقاً فعلياً في عدد من السدود الكبرى مثل سد الوحدة وسد المسيرة، حيث تتوفر مساحات مائية واسعة وظروف مناخية ملائمة للإشعاع الشمسي. كما يمكن إدماجه ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقات المتجددة التي يقودها الوكالة المغربية للطاقة المستدامة، والتي تهدف إلى تعزيز حصة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقي الوطني.
رغم الإمكانات الكبيرة لهذا النموذج، إلا أنه يتطلب دراسة دقيقة لعدة جوانب، من بينها التأثير على النظم البيئية المائية، وضمان سلامة المنشآت، وتطوير تقنيات مقاومة للعوامل المناخية مثل الرياح والحرارة. كما يستدعي الأمر وضع إطار قانوني وتنظيمي يشجع الاستثمار في هذا النوع من المشاريع تمثل السدود الكهرومائية الهجينة فرصة حقيقية للمغرب لتحقيق توازن مستدام بين الأمن المائي والطاقي. إنها ليست مجرد فكرة تقنية، بل رؤية استراتيجية تنسجم مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، وتؤكد قدرة البحث العلمي المغربي على تقديم حلول مبتكرة تنبع من خصوصية المجال وتستجيب لتحدياته.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.