السياسة الأمريكية في شمال إفريقيا المغرب يتربع على عرش التحالفات والجزائر في مأزق
جريدة أصوات
كشفت صحيفة Vozpópuli الإسبانية عن تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن لإطلاق مسار تسوية دائم بين الرباط والجزائر، في إطار ما وصفه المراقبون بـ”التغير الاستراتيجي غير المسبوق” في السياسة الأمريكية بشمال إفريقيا. وتأتي هذه التحركات في وقت أعلن فيه المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عن العمل على التوصل إلى “اتفاق سلام” بين المغرب والجزائر خلال ستين يوماً.
هذه المبادرة الأمريكية تحمل تداعيات جيوسياسية وأمنية واقتصادية بالغة الأهمية للمنطقة بأسرها، خاصة أنها تتم بعيداً عن إسبانيا، الدولة الاستعمارية السابقة في الصحراء، مما يعكس توجهاً أمريكياً واضحاً للاستئثار بقيادة الملف الإقليمي الأكثر حساسية في شمال إفريقيا.
المغرب.. من طرف في النزاع إلى شريك استراتيجي
وفقاً للتقارير الدولية، لم يعد المغرب مجرد طرف في النزاع الإقليمي، بل تحول إلى شريك موثوق لضمان الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب، من خلال التعاون الأمني والاقتصادي مع واشنطن. وقد نجح المغرب في ترسيخ مخطط الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي للصحراء، مما أكسبه موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية لشمال إفريقيا.
ويشمل الدعم الأمريكي تعزيز التنسيق في مجالات الطاقة، الأمن، والمشاريع التنموية، ما يعزز من مكانة المملكة على الصعيد الدولي والإقليمي. ويأتي هذا التحول تتويجاً لسياسة مغربية ذكية انتقلت بها من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة، وفقاً لتحليل الخبراء.
الجزائر.. أزمة نفوذ وعزلة دبلوماسية
على الجانب الآخر، تواجه الجزائر أزمة حقيقية بعد عقود من دعمها لجبهة البوليساريو ومحاولتها عرقلة السيادة المغربية على الصحراء. وتتزايد العزلة الدبلوماسية مع تحالف القوى الكبرى مع المغرب، ما يجعل من الصعب على النظام الجزائري الحفاظ على نفوذه في المنطقة.
وأي اتفاق أمريكي-مغربي لن يعيد فقط ترتيب العلاقات بين الرباط والجزائر، بل سيكشف محدودية استراتيجية الجزائر على المستوى الدولي. ويضع النظام الجزائري أمام اختبار صعب حول قدرته على التكيف مع الحقائق الجديدة، خاصة في ظل تراجع نفوذ حلفائه التقليديين، حيث تشهد العلاقات الجزائرية-الروسية توتراً متصاعداً لأسباب عديدة.
وجدت إسبانيا، التي حاولت إعادة تقوية علاقاتها مع المغرب منذ أزمة استضافة زعيم البوليساريو عام 2021، نفسها تدريجياً خارج دائرة القرار. وتبين أن مدريد تدفع ثمن التردد السياسي الماضي، فيما تتخذ واشنطن المبادرة، تاركة إسبانيا تتابع المشهد من بعيد، وهي ترى كيف تُكتب فصول المستقبل على حدودها الجنوبية دون مشاركتها الفعلية.
آفاق السلام والاستقرار الإقليمي
تشير التقارير الدولية إلى أن واشنطن تسعى إلى اتفاق شامل يعيد العلاقات بين المغرب والجزائر إلى مسار طبيعي، مع ضمان اعتراف ضمني بسيادة المغرب على الصحراء، مقابل حوافز اقتصادية وأمنية للجزائر.
ويشير الباحث في الشؤون الاستراتيجية والإفريقية، خالد يايموت، إلى أن الوساطة الأمريكية لا تُقرأ كمبادرة إقليمية بحتة، بل تندرج ضمن سياق دولي متغير ومعقد، حيث العالم يشهد تحولاً من نظام القطبية الأحادية إلى صراع بين أقطاب شرقية (روسيا والصين) وغربية (حلف الناتو)، مما يزيد من حاجة القوى العظمى إلى ضمان الأمن والاستقرار في المناطق الاستراتيجية الحيوية.
بينما يرى وزير التجارة الجزائري السابق نور الدين بوكروح أن مشكلة الصحراء الغربية “تقترب اليوم من نهايتها، وبلا شك لصالح المغرب… إذ لم يعد الاختيار أمام البوليساريو بين الحكم الذاتي والاستقلال، بل بين الحكم الذاتي والعزلة”.
خريطة الطريق الأمريكية
ترتكز الرؤية الأمريكية على دفع الجزائر نحو تبني حل واقعي يضمن الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، مع فتح آفاق للتعاون الإقليمي يستفيد من الموقع الاستراتيجي للبلدين. وتشمل هذه الرؤية:
دبلوماسية مكثفة: وساطة مباشرة بين الطرفين تحت القيادة الأمريكية المباشرة.
حوافز اقتصادية: تقديم حزمة دعم اقتصادي واستثماري للجزائر في حال انخراطها في عملية السلام.
ضمانات أمنية: تعزيز التعاون الأمني الإقليمي لمكافحة التطرف والإرهاب.
هذه الديناميكية الجديدة تحمل معها فرصاً كبيرة للسلام والتنمية في المنطقة، لكنها تضع أيضاً أنظمة المنطقة أمام اختبار صعب حول قدرتها على التكيف مع الحقائق الجديدة، حيث يبرز المغرب كركيزة للاستقرار في شمال إفريقيا، فيما تجد الجزائر نفسها مضطرة لمواجهة واقع دولي جديد، بينما تظل إسبانيا مراقبة بعيدة، تكاد تخسر فرصة التأثير في الملف الأكثر حساسية في المنطقة.
في الختام، يبدو أن المغرب خرج من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، بينما تجد الجزائر نفسها أمام لحظة مراجعة مصيرية، في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في تحديد مستقبل المنطقة المغاربية.

التعليقات مغلقة.