تعيش مدينة فاس على وقع تساؤلات متزايدة بشأن مظاهر التهور في السياقة واحترام قانون السير، في ظل المخاوف التي تثيرها السرعة المفرطة والمناورات الخطيرة وبعض السلوكات غير المسؤولة لدى عدد من مستعملي الطريق. وهي وضعية تعيد إلى الواجهة مطلب تعزيز المراقبة الطرقية، وتكثيف التدخلات الميدانية، بما يضمن حماية المواطنين ويكرس الحق في التنقل داخل فضاء طرقي آمن.
وتتجه الأنظار إلى عدد من الشوارع والمحاور الرئيسية بالعاصمة العلمية، حيث تستدعي التجاوزات الخطيرة، وعدم احترام علامات التشوير وقواعد الأسبقية، إلى جانب السياقة بسرعة غير ملائمة، مزيداً من اليقظة والتدخل من طرف المصالح المختصة، وفقاً للقوانين الجاري بها العمل.
فالسياقة ليست مجرد مهارة تقنية أو امتلاك رخصة تسمح باستعمال الطريق، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية ترتبط ارتباطاً مباشراً بحياة الإنسان وسلامته. وأي استهتار بقواعد السير قد يحول لحظة من التهور إلى حادث مأساوي، تكون له عواقب إنسانية واجتماعية ومادية يصعب تداركها.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش بشأن بعض السلوكات الصادرة عن فئة من السائقين الشباب، خصوصاً عندما تتحول الرغبة في السرعة أو الاستعراض إلى مصدر خطر على الراجلين وباقي مستعملي الطريق. غير أن التهور في السياقة لا يرتبط بفئة عمرية بعينها، بل يظل سلوكاً يمكن أن يصدر عن مختلف الأعمار، ما يجعل احترام القانون وتعزيز الوعي بالمسؤولية ضرورة مشتركة.
وتحظى الدراجات النارية بنصيب مهم من هذا النقاش، بالنظر إلى المخاطر التي قد تنتج عن السرعة المفرطة والمناورات المفاجئة وعدم احترام قواعد المرور. كما أن بعض السلوكات الصادرة عن سائقي السيارات تستوجب بدورها الحزم واليقظة، تفادياً لتعريض حياة الآخرين للخطر.
فالطريق فضاء مشترك، لا يحق لأي مستعمل له أن يحوله إلى مجال للاستعراض أو المخاطرة بأرواح المواطنين. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول مدى نجاعة المراقبة الطرقية داخل مدينة فاس، والتدابير الممكن اعتمادها للحد من المخالفات والسلوكات التي تهدد السلامة العامة.
### المراقبة الطرقية.. من رصد المخالفات إلى الوقاية من الحوادث
إن الحد من السياقة المتهورة يقتضي مقاربة ميدانية مستمرة، لا تقتصر على تحرير المخالفات بعد وقوعها، بل تشمل تكثيف الدوريات بالمحاور التي تستدعي مزيداً من المراقبة، وتعزيز مراقبة السرعة، والتصدي للسياقة الاستعراضية، والسهر على احترام إشارات المرور وقواعد الأسبقية.
كما أن التطبيق الصارم للقانون، على قدم المساواة بين جميع المخالفين، من شأنه تعزيز الإحساس بالمسؤولية وترسيخ مبدأ أن الطريق يخضع لقواعد ملزمة لا يجوز تجاوزها.
وفي المقابل، يطرح هذا الموضوع ضرورة إعادة فتح النقاش حول جودة التكوين في مدارس تعليم السياقة، ومدى كفاية الاختبارات النظرية والتطبيقية في إعداد السائقين الجدد للتعامل مع مختلف الظروف المرورية، وإدراك المخاطر المرتبطة بالسرعة وعدم الانتباه.
ويظل تطوير التكوين وتعزيز التربية الطرقية من بين المداخل الأساسية للحد من الحوادث، إلى جانب احترام الشروط القانونية المعمول بها للحصول على رخصة السياقة، دون اختزال المشكلة في سن السائق أو فئته الاجتماعية.
### السلامة الطرقية مسؤولية مشتركة
لا يمكن تحميل المصالح الأمنية وحدها مسؤولية معالجة جميع الإشكالات المرتبطة بحركة السير، إذ تتطلب السلامة الطرقية تنسيقاً بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك السلطات المحلية والجماعة والجهات المعنية بتدبير البنية التحتية.
ويشمل ذلك تحسين علامات التشوير، وصيانة الطرق، وتأمين ممرات الراجلين، ومعالجة النقاط السوداء، وتعزيز شروط السلامة بمحيط المؤسسات التعليمية والأسواق والفضاءات التي تعرف حركة مكثفة للمواطنين.
كما تظل حملات التحسيس والتوعية، خصوصاً داخل المؤسسات التعليمية وفضاءات الشباب، ضرورية لترسيخ ثقافة احترام قانون السير، والتأكيد على أن امتلاك رخصة السياقة لا يعفي صاحبها من الالتزام المستمر بقواعد السلامة.
### هل تتحول المطالب إلى إجراءات ميدانية بفاس؟
أمام هذه الإشكالات، يتجدد السؤال الموجه إلى المصالح الأمنية والسلطات المحلية بمدينة فاس: ما التدابير العملية التي يمكن اتخاذها للحد من السياقة المتهورة، وتعزيز المراقبة بالمحاور الرئيسية، وضمان حماية أفضل للراجلين ومستعملي الدراجات النارية والسيارات؟
إن الرهان لا يتعلق فقط بتشخيص الاختلالات، بل بالانتقال إلى إجراءات ملموسة ومستدامة تجعل السلامة الطرقية أولوية يومية، من خلال المراقبة والتوعية والتكوين وتحسين البنية التحتية.
فمدينة فاس، بما تمثله من مكانة تاريخية وحضارية باعتبارها العاصمة العلمية للمملكة، تستحق فضاءً حضرياً آمناً يحفظ كرامة المواطنين ويصون حقهم في التنقل دون خوف من السلوكات المتهورة.
إن حياة المواطنين ليست مجالاً للاستعراض أو المغامرة، بل مسؤولية مشتركة تفرض على الجميع احترام القانون والتحلي بالوعي. والرهان الحقيقي اليوم هو جعل شوارع فاس أكثر أمناً، وتحويل السلامة الطرقية من مطلب متكرر إلى ممارسة يومية ملموسة.
التعليقات مغلقة.