تشهد قضية الصحراء المغربية تحولات متسارعة على الساحة الدولية، مع بروز تباين واضح في مقاربات القوى الكبرى، حيث يواصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تبني سياسات مختلفة تجاه هذا الملف الحساس.
في الاتحاد الأوروبي، تتركز الجهود على الحفاظ على مصالح بروكسيل التجارية مع المغرب، مع محاولة تفادي أي توتر محتمل في العلاقات مع الرباط. وقد تجلت هذه الاستراتيجية خلال الأشهر الأخيرة في التعامل مع الإشكالات القانونية المتعلقة بتصنيف المنتجات القادمة من الصحراء الغربية، خصوصًا بعد سلسلة من الأحكام القضائية التي أكدت ضرورة تمييز هذه المنتجات عن تلك القادمة من المغرب.
ورغم هذه الضغوط القضائية، اختارت المؤسسات الأوروبية اتباع مقاربة تقنية تجنب المواجهة المباشرة، مع التركيز على الجانب التجاري. ويبدو هذا جليًا في تصويت البرلمان الأوروبي أواخر نونبر 2025، حيث فشل بفارق ضئيل في تعطيل إجراء يتعلق بوضع علامات المنشأ، ما يعكس انقسامًا داخليًا بين من يدعو لاحترام صارم للقرارات القضائية، ومن يفضل الحفاظ على الوضع القائم لضمان استمرارية المبادلات الاقتصادية.
في المقابل، تتبع الولايات المتحدة استراتيجية مختلفة، إذ كثفت جهودها الدبلوماسية من خلال تنظيم لقاءات متعددة الأطراف، ضمت المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا تحت إشراف أممي، في محاولة لإعادة إطلاق مسار التفاوض حول النزاع. ولا يقتصر الاهتمام الأمريكي على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية، إذ تشكل المنطقة فضاء غنيًا بالموارد الطبيعية من فوسفاط ومعادن نادرة، ما يجعلها محور تنافس دولي متزايد.
تسعى واشنطن من خلال هذه التحركات إلى تنويع شركائها وعدم الاكتفاء بعلاقة أحادية مع الرباط، عبر تعزيز حضور الجزائر ضمن معادلة التوازن الإقليمي. وقد يفرض هذا التحول تحديات جديدة على الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا أسفرت التحركات الأمريكية عن ترتيبات سياسية أو اقتصادية مختلفة قد تؤثر على استغلال الموارد، ما يضع الشركات الأوروبية أمام واقع ميداني جديد بعد اعتمادها سابقًا على تبادل تجاري مستمر دون الانخراط العميق في التحولات الجارية.
في ظل هذه المعطيات، لم تعد الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يتقاطع فيه الاقتصاد بالطاقة والسياسة، مع سعي قوى دولية لإعادة رسم موازين النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في شمال إفريقيا.

التعليقات مغلقة.