يبرز المغرب كلاعب دبلوماسي فاعل، تُعرِّف مسيرته رؤية استراتيجية واضحة وأداء دبلوماسياً متميزاً، وفقاً لتحليلات صحيفة “لوموند” وتقارير دولية أخرى.
لم تكن الصورة التي التقطها المصورون للوزير ناصر بوريطة وهو يحتفل بحماس من على مدرجات ملعب في تشيلي بتتويج المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بكأس العالم مجرد لحظة عابرة. لقد قرأها المراقبون باعتبارها لبنة في صرح “الدبلوماسية الرياضية” التي يشرف عليها الملك محمد السادس. هذه الاستراتيجية لم تتوقف عند حدود الاحتفاء البعيد، بل تواصلت باستقبال ولي العهد الأمير مولاي الحسن للاعبين في الرباط، في مشهد يرسخ صورة المغرب كأرض للطاقات والمواهب الرياضية الواعدة، ويعزز من قوته الناعمة على الساحة الدولية.
انتصار دبلوماسي تاريخي في مجلس الأمن
إذا كانت الرياضة ترفع الراية، فإن الدبلوماسية تحقق الانتصارات على الأرض. بعد أسبوع واحد فقط من تلك الأجواء الرياضية المبتهجة، جاء الإنجاز الأبرز الذي توج سنوات من العمل الدبلوماسي المكثف: اعتماد مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كـ”الأساس الوحيد” لحل نزاع الصحراء. وكانت الرباط قد وصفت هذه اللحظة بـ”التاريخية”، فيما رأى فيها الملك محمد السادس “منعطفاً مفصلياً”، ليعلن القصر بعدها عن إحداث عيد وطني جديد في 31 أكتوبر تحت اسم “عيد الوحدة”، مؤكداً على البعد الوطني لهذا الإنجاز.
وراء هذه المشاهد العلنية، تشير “لوموند” إلى وجود عمل دؤوب خلف الكواليس يقوده الوزير ناصر بوريطة. وهو الذي يوصف بـ”رجل الظل” و”العقل الهادئ”، إذ ينجح في إدارة ملفات شائكة ومعقدة بعيداً عن الضجيج الإعلامي. من تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز التموقع الاستراتيجي داخل إفريقيا، وبناء جسور متينة مع دول الخليج وجوار البحر المتوسط، إضافة إلى توظيف أدوات القوة الناعمة المغربية بكل براعة. ويحظى بوريطة، بحسب الصحيفة، بتقدير خاص من التيار “الموريسكي” الذي يرى في تحركاته استعادة لدور المغرب التاريخي كجسر للتواصل والحضارة.
الخلاصة التي تقدمها التحليلات الدولية هي أن المغرب يرسم ملامح مرحلة جديدة تماماً. مرحلة تتسم باستقلالية أكبر في صنع القرار، خاصة تجاه الجوار الأوروبي، ونفوذ متصاعد داخل القارة الإفريقية، ورؤية متماسكة ومبدئية لقضية الصحراء، وحضور متعاظم للقوة الناعمة بمختلف تجلياتها.
وفي قلب هذا التحول الدبلوماسي الكبير، يظهر نهج متزن يجمع بين الوضوح الاستراتيجي والمرونة التكتيكية، محولاً الدبلوماسية المغربية إلى مسار تصاعدي مستقر، تتعزز نتائجه بمرور الوقت، لتصنع للمغرب مكانة خاصة في خريطة العلاقات الدولية المعاصرة.

التعليقات مغلقة.