مع تسارع وتيرة التحضر وتغير أنماط الاستهلاك داخل المدن المغربية، يطفو ملف تدبير النفايات المنزلية على سطح النقاش البيئي والاقتصادي باعتباره أحد التحديات الكبرى التي ستواجه المملكة خلال العقود المقبلة. فالتوسع الحضري المتواصل والنمو الديمغرافي، إلى جانب التحولات في سلوك الاستهلاك، عوامل تدفع بكميات النفايات إلى الارتفاع بوتيرة متسارعة، ما يفرض التفكير في نماذج أكثر استدامة لتدبير هذا القطاع.
وفي هذا السياق، حذر تقرير حديث للبنك الدولي من المسار التصاعدي لكميات النفايات في المغرب، مشيراً إلى أن النمو السريع لهذه الكميات قد يضع النموذج الحالي لتدبير النفايات أمام اختبارات صعبة بحلول سنة 2050، ما لم يتم تعزيز آليات التثمين وتبني مقاربة قائمة على الاقتصاد الدائري.
ويكشف التقرير، المعنون “تدبير النفايات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، أن المغرب يعد من بين البلدان التي يُتوقع أن تسجل أعلى نسب نمو في النفايات المنزلية داخل المنطقة خلال العقود المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن حجم هذه النفايات قد يرتفع من نحو 7.6 ملايين طن سنة 2022 إلى ما يقارب 17.6 ملايين طن بحلول عام 2050، أي أكثر من الضعف في أقل من ثلاثين سنة.
ويعزى هذا الارتفاع، وفق التقرير، إلى ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في النمو الديمغرافي المتواصل، وتسارع التوسع الحضري، وتغير أنماط الاستهلاك داخل المجتمع، خصوصاً في المدن الكبرى حيث تتزايد الكثافة السكانية وتتسع الأنشطة الاقتصادية.
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، يصنف البنك الدولي المغرب ضمن الدول ذات الدخل المتوسط التي نجحت في بناء إطار مؤسساتي منظم نسبياً لتدبير النفايات. ويعتمد هذا الإطار على بنية حكامة مركزية تقودها وكالة وطنية تضطلع بدور محوري في مواكبة الجماعات الترابية وتنسيق السياسات العمومية وتحديث البنيات التحتية الخاصة بالقطاع.
غير أن التقرير يشير إلى أن الجماعات الترابية ما تزال تتحمل العبء الأكبر من عمليات التدبير اليومية، في ظل تحديات مرتبطة بالموارد المالية والقدرات التقنية اللازمة لمواكبة الطلب المتزايد على خدمات جمع ومعالجة النفايات.
وعلى المستوى العملي، تبلغ نسبة جمع النفايات في المغرب نحو 80 في المائة، وهو معدل يعتبر مقبولاً مقارنة بالمعدلات المسجلة في بلدان ذات مستوى تنموي مماثل. إلا أن هذا المؤشر الإيجابي يخفي اختلالاً بنيوياً يتمثل في الاعتماد الكبير على الطمر في المطارح كخيار رئيسي للتخلص من النفايات، مقابل ضعف واضح في عمليات التدوير والتسميد والتثمين الطاقي.
ولا يختلف هذا الوضع كثيراً عن الاتجاه العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تشير معطيات البنك الدولي إلى أن أقل من 10 في المائة من النفايات يتم تدويرها أو تحويلها إلى سماد أو إعادة استخدامها.
غير أن خصوصية تركيبة النفايات المنزلية في المغرب، التي يغلب عليها الطابع العضوي، تفتح آفاقاً واسعة للاستفادة منها في إنتاج السماد الزراعي أو الغاز الحيوي. ويرى التقرير أن استغلال هذه الإمكانات يمكن أن يحقق مكاسب بيئية واقتصادية مهمة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي وارتفاع كلفة المدخلات الزراعية.
ولا تقتصر آثار ضعف التثمين على ضياع فرص اقتصادية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تكاليف بيئية متزايدة. إذ يقدر البنك الدولي الأضرار الناتجة عن سوء تدبير النفايات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 7.2 مليارات دولار سنوياً.
وفي الحالة المغربية، تتجلى هذه المخاطر في الضغط المتزايد على ميزانيات الجماعات الترابية، وارتفاع انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن المطارح، إضافة إلى التأثير المحتمل على جاذبية المجالات الترابية، خصوصاً في المناطق ذات الطابع السياحي.
ورغم حجم التحديات، يرى التقرير أن المغرب يمتلك هامشاً مهماً للتحسن خلال السنوات المقبلة. ويؤكد أن الانتقال التدريجي نحو اقتصاد دائري أكثر كفاءة يظل خياراً واقعياً، شريطة تحسين كفاءة الإنفاق العمومي وتطوير آليات تمويل أكثر مرونة واستدامة.
كما يشدد التقرير على ضرورة إدماج القطاع غير المهيكل الناشط في مجال التدوير ضمن منظومة رسمية منظمة، إلى جانب اعتماد آليات المسؤولية الموسعة للمنتجين وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ورغم حضور الشركات الخاصة في مجال جمع النفايات، فإن دورها ما يزال محدوداً في مراحل المعالجة والتثمين. ويرى البنك الدولي أن تحسين الإطار التعاقدي وتوفير ضمانات أكبر للاستثمارات يمكن أن يفتح المجال أمام توسيع مساهمة القطاع الخاص، خصوصاً في مشاريع التدوير والتسميد.
وعلى المدى البعيد، يتوقع التقرير أن تتجه الدول ذات الخصائص المشابهة للمغرب نحو أنظمة أكثر تكاملاً لتدبير النفايات، تقوم على تعميم خدمات الجمع، وضبط عمليات الطمر في مطارح مراقبة، وتحويل جزء متزايد من النفايات نحو مسارات التثمين وإعادة الاستخدام، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.

التعليقات مغلقة.