أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بعد أسبوعين من الحرب من يربح ومن يخسر في صراع إيران والدول الكبرى؟

جريدة أصوات

لم يعد قياس كفة الربح والخسارة في الحرب الدائرة حالياً مع إيران مجرد حصيلة عسكرية تُحتسب بعدد الضربات وحجم الدمار، بل تحول إلى معادلة معقدة تتجاوز ساحة القتال لتلامس القدرة على ترجمة القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية مستقرة. هذا ما تخلص إليه قراءة معمقة لمقال الرأي الذي كتبه سايمون تيسدال في “الغارديان”، والنقاش الموسع الذي دار في بودكاست “تلغراف” بمشاركة نخبة من المحللين والخبراء العسكريين.

إيران: أن تصمد يعني أن تنتصر

رغم الضربات القاسية التي تلقتها البنية التحتية والعسكرية الإيرانية، يشير تيسدال إلى أن الهدف السياسي الأسمى للحرب – وهو إسقاط النظام أو دفعه للانهيار – لم يتحقق. ففي طهران، لم تسقط المؤسسات، ولم تظهر علامات التفكك الداخلي. والأكثر إثارة للانتباه أن القصف المكثف، الذي طال مرافق مدنية حيوية، ربما عزز شعوراً وطنياً مضاداً والتفافاً شعبياً حول النظام بدلاً من أن يشعل فتيل انتفاضة داخلية.

هذا الطرح وجد صدى واضحاً في نقاش “تلغراف”، حيث انفصل المشاركون بشكل واضح بين الخسارة العسكرية والانتصار السياسي. وأشار المراسل أكتر مكوي إلى أن الرواية السائدة داخل إيران اليوم تقوم على معادلة بسيطة: الصمود بحد ذاته نصر، وجعل الحرب أكثر كلفة على واشنطن وحلفائها هو هدف استراتيجي بحد ذاته. وفي هذا السياق، يُقدَّم إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط محسوبة لدفع الخصوم إلى طلب وقف إطلاق النار.

لكن ذلك لا ينفي وجود خسائر فادحة. يعترف النقاش بأن إيران خسرت قدرات عسكرية مهمة وقيادات بارزة، وأن زخم هجماتها تراجع بشكل ملحوظ. غير أن الخبير العسكري جوناثان هاكيت يفسر ذلك بخصوصية بنية النظام الإيراني، الذي صُمم أصلاً للاستمرار حتى لو تلقى الضربات في قمة هرمه، عبر توزيع الصلاحيات وتفويض التنفيذ إلى مستويات أدنى في الحرس الثوري. وبالتالي، تبقى إيران في موقع الخاسر عسكرياً، لكنها غير مهزومة سياسياً.

واشنطن: تفوق جوي في مواجهة فراغ استراتيجي

يصف تيسدال المأزق الأمريكي بأنه يتمثل في بدء حرب دون امتلاك رؤية واضحة لنهايتها. فالرهان على نصر سريع من الجو تحول إلى استنزاف مفتوح، حيث تفتقر الإدارة الأمريكية إلى تصور متكامل لمرحلة ما بعد الضربات الأولى. ويحذر الكاتب من أن هذا العجز قد يخلّف ندوباً في الصورة الأمريكية شبيهة بتلك التي خلفتها حربا العراق وأفغانستان.

فالحرب، حتى الآن، لم تحسم الملفات الجوهرية: البرنامج النووي الإيراني لم يُلغَ، النظام لا يزال قائماً، والقوات الأمريكية في المنطقة باتت أكثر عرضة للرد، في وقت ترتفع فيه كلفة المواجهة يوماً بعد يوم.

ديفيد بلير، في “تلغراف”، يركز على جذور المشكلة: لم يكن الخطأ في رد إيران، بل في عدم استعداد واشنطن له. ويكشف عن مؤشرين خطيرين لهذا الارتباك: الأول هو استنزاف الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي في توقيت بالغ الحساسية، والثاني هو النقص الحاد في القطع البحرية القادرة على حماية الناقلات وفرض الملاحة في مضيق هرمز بالقوة.

أما هاكيت، فيذهب إلى أن الخلل أعمق من مجرد نقص في التجهيزات، ويكمن في غياب إستراتيجية متكاملة تربط الضربات العسكرية بهدف سياسي نهائي. فالقوة الجوية، وإن كانت مدمرة، تبقى غير كافية وحدها لفرض واقع سياسي جديد، خاصة حين تكون الأهداف النهائية للحرب غامضة أو متضاربة.

إسرائيل: مكاسب ميدانية تنتظر ترجمة سياسية

تظهر إسرائيل، في كلا المصدرين، كالطرف الأكثر كفاءة على المستوى العملياتي، بقدرتها على تنفيذ اختراقات أمنية واغتيالات نوعية، واستعدادها لحرب طويلة قد تمكنها من إعادة تشكيل البيئة الإقليمية لصالحها.

لكن هذا التفوق الميداني لا يخفي غياب اليقين السياسي. يتساءل تيسدال عن جدوى الرهان على إسقاط النظام من الجو، ويصف الحديث عن “تغيير النظام” عبر القصف بأنه كان، منذ البداية، وهماً سياسياً. هاكيت يضيف أن إسقاط نظام متجذر لا يتم فقط بقصف القادة، طالما بقي الشارع خاضعاً للخوف وقادراً على الإمساك بالمجال العام، وقد عززت السلطة الإيرانية قبضتها الأمنية في الداخل بشكل كبير، مما حال دون أي انفجار شعبي كان البعض يراهن عليه.

الخاسر الأكبر: استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي

يتجاوز تحليل “الغارديان” و”تلغراف” حدود الأطراف المتحاربة ليصل إلى نتيجة أكثر شمولاً: الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو استقرار المنطقة برمته، والاقتصاد العالمي الذي بات رهينة لاضطرابات مضيق هرمز وأسواق الطاقة. فارتفاع الأسعار وتوقف سلاسل الإمداد والتجارة سيدفع ثمنها الأشد فقراً أولاً، وسيترك ندوباً عميقة في الاقتصاد الدولي، مؤكداً أن فكرة “الحرب القصيرة المحدودة” أصبحت، هي الأخرى، من ضحايا هذا الصراع المفتوح.

التعليقات مغلقة.