أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بين توسّع الصناعات الحديثة ومحرّمات الشريعة… مأزق المسلم مع المنتجات المشتقة من الخنزير

بين توسّع الصناعات الحديثة ومحرّمات الشريعة… مأزق المسلم مع المنتجات المشتقة من الخنزير

أصبح التحدي الذي يواجهه المسلمون اليوم في تجنب المنتجات المشتقة من الخنزير أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، مع التوسع الهائل في الصناعات الغذائية والطبية والتجميلية وحتى التكنولوجية والعسكرية، التي تدخل في كثير من عمليات تصنيعها مشتقات حيوانية غير معلنة بشكل واضح، وعلى رأسها مشتقات الخنزير. ففي الوقت الذي تحاول فيه شريحة واسعة من المتدينين الالتزام بتعاليم دينهم والابتعاد عن كل ما يرتبط بهذه المنتجات، يتبدّى أمامهم واقع صناعي متشابك يجعل هذا التوجه شبه مستحيل.

فالاعتماد على قراءة الملصقات أو تتبع المصطلحات العلمية المشفّرة للمكونات أصبح غير كافٍ، في ظل إمكانية التلاعب بالعلامات التجارية وبشهادات “حلال” و”كوشر”، حتى تلك التي يُفترض أنها خاضعة لرقابة دينية صارمة. ومع ازدياد المنتجات النباتية والبدائل الصناعية في الأسواق العالمية، يبدو أن الحل الوحيد القابل للتطبيق يستدعي تضحيات كبيرة، تبدأ بالامتناع عن الأكل خارج المنزل ولا تنتهي باختيار منتجات طبيعية بالكامل، وهو أمر يصعب على معظم الناس الالتزام به.

ولا تقتصر المشكلة على الأغذية فقط، بل تمتد لتشمل قطاعات طبية وجراحية حيوية، حيث أصبحت مشتقات الخنزير جزءاً أساسياً من صناعة العديد من الأدوية والعلاجات الضرورية. فقد تمكن العلماء مثلاً من تحويل كلية خنزير من فصيلة الدم A إلى فصيلة O وزرعها بنجاح، وهو إنجاز علمي مهم قد يقلل من فترات انتظار عمليات زراعة الأعضاء، خصوصاً للمرضى ذوي فصيلة الدم O الذين يمثلون أكثر من نصف قوائم الانتظار ويتوفى بعضهم قبل توفر متبرع مناسب.

وتدخل مشتقات الخنزير كذلك في صناعة كبسولات الأدوية عبر الجيلاتين المستخرج من الجلد والعظام، بينما يُستخلص الأنسولين من بنكرياس الخنزير لعلاج مرضى السكري. وتُستخدم إنزيمات مثل البيبسين والتربسين – وغالباً مصدرها الخنزير – في أدوية الهضم وصناعات طبية أخرى، كما يُعتمد على جلد الخنزير في ترقيع الحروق عند غياب البدائل البشرية. وتدخل مشتقاته أيضاً في صناعة اللقاحات، والمكملات الطبية، ومواد التجميل مثل الكولاجين والإيلاستين، إضافة إلى الأحماض الدهنية الحيوانية المستخدمة في الصابون، ومعاجين الأسنان، والعطور، وكريمات البشرة، وأحمر الشفاه.

وفي الصناعات الغذائية، يمتد استخدام مشتقات الخنزير إلى الشوكولاتة، والزبادي، والجبن، والآيس كريم، والبسكويت، والحلويات، بينما يعتمد كثير من المخبوزات على شحم الخنزير (Lard) لزيادة القوام والنكهة. وتتوسع قائمة الاستخدامات لتشمل مواد التشحيم، بعض أنواع اللاصق والغراء الصناعي، الدهانات، الأحبار، الورق اللامع، وحتى عمليات تكرير السكر. كما يستخدم شعر الخنزير في فرش الرسم، وتدخل بعض مشتقاته في صناعة الإطارات، والسيور الصناعية، ومواد تغطية الطلقات والذخائر وتنظيف الأسلحة.

ومع هذا الكم الكبير من الاستخدامات المتداخلة، يجد المسلم نفسه أمام سؤال صعب: كيف يمكن تجنب هذه المنتجات في عالم أصبحت فيه سلسلة التصنيع بالغة التعقيد، إلى درجة تجعل الفصل بين “الحلال” و”غير الحلال” مهمة شبه مستحيلة؟ وبين الالتزام الديني من جهة، ومتطلبات الحياة اليومية من جهة أخرى، يبرز تحدٍّ مستمر يزداد عمقاً مع تطور الصناعة وانفتاح العالم على منتجات لا يُعرف دائماً ما يكمن خلف مكوناتها.

التعليقات مغلقة.