تشهد مدينة تاهلة خصاصا في وسائل النقل الصحي ، التي تحولت إلى مفارقة صادمة تختزل اختلالات التسيير وضعف الحكامة داخل بعض المرافق ذات الطابع الاجتماعي، بعدما خرجت سيارتا إسعاف تابعتان لدار الأمومة عن الخدمة في وقت واحد، رغم الحاجة الماسة إليهما لنقل النساء الحوامل والحالات المستعجلة.
الحالة الأولى تتعلق بسيارة إسعاف تم تسلمها من طرف المبادرة الوطنية لتنمية البشرية في إطار دعم الموجه، ضمن جهود تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. غير أن هذه السيارة، وبعد تعرضها لأعطاب ميكانيكية متتالية دون إصلاح، انتهى بها المطاف مركونة في الفضاء الخارجي لدار الأمومة، في ظروف توصف بغير الملائمة، لتتحول مع مرور الوقت إلى عبء مادي ومعنوي، ومهددة بأن تصبح مجرد “خردة” بسبب الإهمال وغياب الصيانة.
أما السيارة الثانية، وهي عبارة عن هبة مقدمة في إطار شراكة بين الجمعية ومنظمة خارجية، فتتوفر على تجهيزات طبية أساسية وحالة ميكانيكية جيدة، ما يجعلها صالحة تماماً للقيام بمهامها الحيوية. لكن المفارقة الصادمة أنها بدورها خارج الخدمة، ليس بسبب عطب تقني أو نقص في الإمكانيات، بل نتيجة سبب إداري بسيط يتمثل في انتهاء صلاحية وثيقة التأمين وعدم تجديدها في الوقت المناسب، رغم أن كلفة هذا الإجراء تبقى محدودة ولا تمثل عائقاً مالياً حقيقياً.
هذا الوضع يطرح علامات استفهام كبيرة حول أسلوب تدبير وتسيير مرافق دار الأمومة، في ظل محدودية الموارد المالية للجمعية المشرفة، وغياب آليات صارمة لضمان استمرارية الخدمات الأساسية. وقد انعكس هذا التعطل بشكل مباشر على الساكنة، حيث يجد عدد من المواطنين أنفسهم مضطرين لنقل النساء الحوامل والمرضى عبر سيارات خاصة أو سيارات أجرة غير مجهزة، ما يشكل خطراً إضافياً على صحة الأم والجنين في الحالات المستعجلة.
وفي ظل غياب السيارتين التابعتين لدار الأمومة، لا يتبقى سوى سيارة إسعاف وحيدة تابعة للمجلس الجماعي، وهي غير كافية لتغطية الطلب المتزايد على خدمات النقل الصحي، خصوصاً في منطقة تعرف ضغطاً اجتماعياً وصحياً متزايداً.
هذا الوضع يثير جملة من الأسئلة الملحة: كيف يمكن لسيارة إسعاف مجهزة أن تتوقف عن العمل بسبب وثيقة تأمين لا تتطلب سوى إجراء إداري بسيط؟ ولماذا تُترك سيارة أخرى مركونة ومهملة رغم أن إصلاحها لا يستدعي تكاليف باهظة؟ وأين هي المسؤولية الإدارية في تتبع وصيانة ممتلكات يفترض أن تكون في صلب الخدمات الاجتماعية؟ ثم أين دور السلطة المحلية في مراقبة وضمان استمرارية عمل هذه المرافق الحيوية المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين؟
إن ما يحدث في تاهلة لا يعكس فقط عطلاً في الآليات، بل يكشف خللاً أعمق في منظومة التدبير، حيث تتحول وسائل إنقاذ الأرواح إلى مجرد هياكل معطلة، في وقت تبقى فيه الحاجة إليها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

التعليقات مغلقة.