تُثير ظاهرة استغلال الأطفال في محتويات مواقع التواصل الاجتماعي قلقًا متزايدًا داخل المجتمع، بعدما تحولت بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات يتم فيها توظيف براءة الصغار لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة ومكاسب مادية أو شهرة مؤقتة، دون مراعاة لما قد يترتب عن ذلك من أضرار نفسية واجتماعية وقانونية تمس مستقبل الطفل وكرامته.
وتكشف العديد من المقاطع المتداولة على مواقع التواصل عن ممارسات صادمة يتم خلالها إشراك أطفال في مشاهد غير ملائمة لأعمارهم، أو دفعهم إلى سلوكيات مثيرة للجدل بهدف استقطاب المتابعين وإثارة التفاعل. وفي خضم السباق المحموم نحو “البوز”، يغيب أحيانًا الوعي بخطورة ما يتعرض له الطفل من استغلال قد يترك آثارًا عميقة يصعب تجاوزها مستقبلاً.
ومن الناحية القانونية، تعتبر حماية الطفل مسؤولية تفرضها التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، التي تنص على ضرورة صون كرامته وحمايته من جميع أشكال الاستغلال والإساءة. كما أن تعريض الأطفال لمحتويات تمس سلامتهم النفسية أو المعنوية، أو استغلالهم لتحقيق مكاسب شخصية، قد يترتب عنه تحريك المتابعات القانونية في حق المتورطين، متى ثبت وقوع الضرر أو وجود تجاوزات تمس حقوق الطفل الأساسية.
أما من الجانب السيكولوجي، فإن الطفل يكون في مرحلة حساسة من بناء شخصيته وتكوين ثقته بنفسه. وأي تعرض للسخرية أو الإحراج أو الاستغلال أمام جمهور واسع قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية وسلوكية، من بينها فقدان الثقة بالنفس، والشعور بالخوف أو العزلة، والتأثر بصورة سلبية قد ترافقه لسنوات طويلة.
وعلى المستوى الأخلاقي والقيمي، فإن المتاجرة ببراءة الأطفال تمثل انحرافًا عن المبادئ الإنسانية التي تضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار. فالمجتمع السليم لا يقيس النجاح بعدد المشاهدات والمتابعين، بل بمدى احترامه للكرامة الإنسانية وحمايته للفئات الأكثر هشاشة.
ومن المنظور الديني، حث الإسلام على الرحمة بالأطفال ورعايتهم وصيانة حقوقهم، وجعل حفظ كرامتهم مسؤولية شرعية وأخلاقية. كما نهى عن كل ما يمكن أن يلحق الضرر بالإنسان أو يسيء إليه، وهو ما يجعل استغلال الأطفال لأغراض الشهرة أو الربح سلوكًا مرفوضًا يتعارض مع القيم الدينية السمحة.
وتفرض هذه الظاهرة تدخلاً حازمًا من مختلف الجهات المعنية، سواء السلطات القضائية والأمنية أو المؤسسات المختصة بحماية الطفولة، من أجل مراقبة المحتويات المسيئة للأطفال والتصدي لكل أشكال الاستغلال الرقمي التي تهدد سلامتهم وحقوقهم.
كما يتحمل الآباء والأمهات مسؤولية كبيرة في حماية أبنائهم من الوقوع ضحية لهذا النوع من المحتوى، عبر تعزيز الوعي بمخاطر النشر غير المسؤول واحترام خصوصية الطفل وحقه في النمو داخل بيئة آمنة تحفظ كرامته وإنسانيته.
وتبقى الطفولة خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي مبرر، لأن الطفل ليس وسيلة لتحقيق الشهرة ولا أداة لجلب المشاهدات، بل هو إنسان كامل الحقوق يستحق الحماية والرعاية والاحترام. فحين تتحول براءة الأطفال إلى سلعة رقمية، يصبح تدخل المجتمع والدولة ضرورة ملحة لوقف هذه الممارسات وحماية الأجيال القادمة من آثارها الخطيرة.

التعليقات مغلقة.