في كل جهات المغرب، من سهول الغرب ودكالة، إلى مرتفعات الأطلس وواحات الجنوب الشرقي، يقف الفلاحون الصغار هذه الأيام أمام محنة قاسية، يترقبون أمطاراً تأخرت كثيراً، ويعيشون على أمل أن تعود السحب لتروي عطش الأرض، وتعيد للحقول نبض الحياة. فالمملكة تعرف منذ أسابيع موجة جفاف مقلقة، أثرت بشكل مباشر على الموسم الفلاحي، وجعلت آلاف الأسر القروية أمام واقع اقتصادي صعب، لا خيار فيه سوى الانتظار والدعاء.
يعتمد الفلاح الصغير في المغرب بشكل كبير على التساقطات المطرية، بحكم محدودية الإمكانيات وضعف تجهيزات الريّ، وهو ما يجعل تأخر الغيث خطراً يهدد المحاصيل والمواشي في آن واحد. فالأرض التي كانت تنتظر زرعاً أخضر، بدأت تتشقّق من الجفاف، والآبار لم تعد قادرة على تلبية حاجيات السقي والشرب، بينما ينظر الفلاحون إلى السماء بقلوبٍ معلّقة بالأمل.
القلق يسيطر على القرى، والأسواق الأسبوعية تصدح بأسئلة ترددها ألسنة الفلاحين: هل سيأتي المطر قريباً؟ هل سيُكتب للموسم الفلاحي النجاة؟ فالأمطار لا تعني فقط إنقاذ الزرع، بل هي ضمان استمرار الحياة القروية بكل تفاصيلها، من تعليم الأبناء، إلى اقتناء الأعلاف، إلى سداد الديون. إنها ركيزة اقتصادٍ بسيط لكنه صلب، يحمل على عاتقه أمن البلاد الغذائي.
ومع أن الحكومة أعلنت عن برامج لدعم الفلاحين الصغار وتعزيز وسائل التكيف مع التغيرات المناخية، إلا أن الكثيرين يرون أن ما يملكونه اليوم لا يكفي لمواجهة جفاف متواصل، وأن المطلوب أكثر، سواء على مستوى توسيع شبكات الري، أو دعم المحاصيل والحبوب، أو توفير بدائل تقنية تضمن استمرار النشاط الفلاحي رغم تقلبات الطقس.
ورغم كل التحديات، لا يزال الدعاء سيد الموقف. فأصوات الفلاحين ترتفع في الصلوات، والأطفال في القرى صاروا يحفظون أدعية الغيث قبل دروس المدرسة. إنها لحظة إنسانية تختلط فيها الدموع بالرجاء، وتتحول فيها الأرض إلى سجادة انتظار طويلة، لا يُنهيها سوى نزول أولى القطرات.
في المغرب، المطر ليس مجرد ظاهرة جوية، بل حياة كاملة. لذلك، ومع كل يوم جديد، يواصل الفلاحون الصغار النظر إلى السماء بثقة لا تشيخ، راجين أن يهبط الغيث ليعيد للحقول خضرتها، وللماشية قوتها، وللأرض ابتسامتها، وللقرى نبضها الذي لا يتوقف.

التعليقات مغلقة.