أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

دوار الحشالفة بـ فاس… حين تتحول لحظة الفقد إلى ملحمة تضامن تُجسد روح “ناس الدوار”

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

يُجسّد مشهد العزاء في دوار الحشالفة، بضواحي مدينة فاس، واحدة من أعمق صور التماسك الاجتماعي التي تميز المجتمع المغربي، حيث لا يقتصر الحزن على أسرة الفقيد، بل يمتد ليشمل كل مكونات “الدوار”، في تجلٍّ واضح لثقافة التضامن والتكافل المتجذرة في الوجدان الجماعي.

فور انتشار خبر الوفاة، تتسارع خطوات أبناء الدوار نحو أداء أدوارهم بشكل تلقائي ومنظم، دون حاجة إلى توجيه أو تنسيق مسبق. شباب المنطقة يبادرون إلى نصب خيمة العزاء، في مشهد يعكس روح المسؤولية الجماعية، ويؤكد أن الانتماء للدوار ليس مجرد انتماء مكاني، بل هو التزام أخلاقي واجتماعي.

وفي موازاة ذلك، تتكفل نساء الدوار بإعداد الطعام للمعزين والوافدين من الأقارب، حيث تتحول البيوت إلى فضاءات مفتوحة للكرم والتآزر. هذا الدور النسوي، الذي ظل حاضراً عبر الأجيال، يُعد أحد أعمدة هذا النظام الاجتماعي غير المعلن، والذي يقوم على تقاسم الأعباء وتخفيف وطأة الفقد عن أهل الميت.

أما “أبناء القبيلة”، فإن حضورهم يعكس عمق الروابط التي تتجاوز حدود القرابة الضيقة، لتشمل كل من يجمعهم الأصل والانتماء المشترك. هنا، يتحول الدوار إلى كيان متكامل، تتحرك داخله الأفراد كجسد واحد، في انسجام يندر أن نجده في مجتمعات أخرى.

ولم يغب عن هذا المشهد البعد المؤسساتي، حيث يحضر رئيس الحي المنتخب لتقديم واجب العزاء، في خطوة تعكس تداخل الأدوار بين الفاعل المحلي والمجتمع، وتؤكد أن “الدوار” يظل فضاءً حياً للمواطنة، تُمارس فيه القيم قبل القوانين.

إن مصطلحات مثل “ناس الدوار” و”أبناء القبيلة” ليست مجرد تعابير دارجة، بل مفاهيم عميقة تختزل منظومة من القيم، في مقدمتها التضامن، والتكافل، والشعور بالانتماء. وهي مفاهيم لا تزال تحافظ على حضورها القوي، رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة.

وفي لحظة الفقد، يُثبت الدوار أنه أكثر من مجرد تجمع سكني، بل هو بنية اجتماعية متماسكة، قادرة على احتواء الألم وتحويله إلى قوة جماعية تُخفف من وقع المصاب.

وما حدث اليوم في دوار الحشالفة ليس استثناءً، بل امتداد لتقاليد راسخة تُجسد هوية مغربية أصيلة.

رحم الله الفقيد، وألهم ذويه الصبر والسلوان، وجعل من هذا التلاحم الإنساني نموذجاً يُحتذى به في زمن تتزايد فيه مظاهر الفردانية.

التعليقات مغلقة.