شهدت نيويورك، على هامش أشغال الشق رفيع المستوى للدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لقاءً جديداً بين المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، ستافان دي ميستورا، ووزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف. اللقاء، الذي جرى الخميس، يأتي في سياق دبلوماسي متحرك يسبق إحاطة مرتقبة أمام مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، حيث سيعرض الوسيط الأممي حصيلة مشاوراته مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع.
ثاني لقاء في ظرف وجيز:
ويعد الاجتماع بين دي ميستورا وعطاف الثاني من نوعه خلال أقل من أسبوعين، ما يعكس دينامية خاصة على مستوى القنوات الدبلوماسية المرتبطة بالملف. وحسب ما أوردته وزارة الخارجية الجزائرية، فقد شكلت المحادثات مناسبة لتبادل وجهات النظر حول مستجدات القضية، إلى جانب تقييم مسار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة منذ سنوات بهدف التوصل إلى تسوية نهائية.
موقف تقليدي في مواجهة دينامية دولية:
رغم هذا الحراك، جدد وزير الخارجية الجزائري تمسك بلاده بالموقف التقليدي، القائم على دعم أطروحة الانفصال، متجاهلاً التطورات المتسارعة التي تعرفها الساحة الدولية، حيث تتعزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية كخيار واقعي وحيد لحل النزاع. هذه المبادرة، التي طرحتها المملكة سنة 2007، تحظى اليوم بدعم واسع من عواصم مؤثرة، على رأسها واشنطن وباريس ومدريد، إضافة إلى تبني عدد من الدول فتح قنصليات عامة بالأقاليم الجنوبية للمغرب، في رسالة واضحة حول جدية الموقف المغربي ومصداقيته.
المغرب يؤكد مسؤولية الجزائر:
في المقابل، تؤكد المملكة المغربية، في مواقفها الرسمية، أن أي مسار تفاوضي جديد لا يمكن أن ينجح دون تحمل الجزائر لمسؤوليتها المباشرة في النزاع، باعتبارها طرفاً أساسياً يقف وراء استمراره سياسياً ودبلوماسياً. وتشدد الرباط على أن المائدة المستديرة، بصيغتها التي شملت المغرب والجزائر وموريتانيا و”البوليساريو”، تبقى الإطار الأمثل للمحادثات، مع ضرورة التزام جميع الأطراف بروح الواقعية والتوافق.
تحركات دي ميستورا بين التعقيد والرهانات:
من جانبه، يسعى ستافان دي ميستورا، منذ تعيينه سنة 2021 خلفاً لهورست كوهلر، إلى إعادة إحياء العملية السياسية، عبر سلسلة من اللقاءات مع الأطراف المعنية. غير أن تعقيدات المواقف الإقليمية، إلى جانب تباين الرؤى داخل مجلس الأمن، تجعل مهمته محفوفة بالتحديات. ومع ذلك، فإن تركيزه في إحاطته المقبلة على خلاصات مشاوراته قد يمنح دفعة جديدة للنقاش داخل المجلس حول سبل الدفع بالحل السياسي الواقعي.
رهانات المرحلة المقبلة:
تتزامن هذه التحركات مع مرحلة دقيقة، حيث يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي دولياً، عبر شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد، بينما تجد الجزائر نفسها أمام عزلة متزايدة بسبب إصرارها على خطاب تقليدي لم يعد يواكب التغيرات في موازين القوى الدولية والإقليمية. وفي هذا السياق، تترقب الأوساط الدبلوماسية ما سيحمله تقرير دي ميستورا من مؤشرات حول مستقبل العملية السياسية، وما إذا كان سيعكس بشكل صريح الدعم المتنامي للمبادرة المغربية.
نحو أكتوبر.. الأنظار تتجه إلى مجلس الأمن:
لا شك أن إحاطة أكتوبر ستكون محطة مفصلية، ليس فقط لتقييم الجهود الأممية، بل أيضاً لرصد مواقف أعضاء مجلس الأمن إزاء التطورات الأخيرة. فالملف بات يرتبط بشكل أوثق بالاستقرار الإقليمي والأمن الطاقي والمصالح الاستراتيجية في المنطقة، ما يجعل التعاطي معه محكوماً بتوازنات دقيقة تتجاوز البعد المحلي للنزاع.
التعليقات مغلقة.