أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

زمن السخافة انقلاب في سلم القيم الاجتماعية

جريدة أصوات

أصوات من الرباط

لقد أصبحنا، بكل أسف، نعيش في مرحلة من الانحدار الرمزي والقيمي، حيث تفقد الكلمات معانيها، وتصبح المفاهيم الكبرى كالشرف والمروءة والصدق والنزاهة عملات بائدة في سوق مزدحم بالضجيج والادعاء والسطحية. لا نبالغ إن قلنا إننا في زمن السخافة، زمن تُدار فيه المجتمعات بوسائط التفاهة، وتُصنع فيه النماذج الاجتماعية من رحم اللاشيء. والأخطر من ذلك أن هذا الانحطاط أصبح ممنهجًا، منظوماً، ومحمياً أحيانًا بالدولة والسوق والإعلام، في عملية معقدة لتزييف الوعي الجمعي وتوجيهه نحو ما يخدم “طبقة رمزية هجينة” صعدت إلى الواجهة بلا رصيد من العلم أو الخلق أو التاريخ.

في هذا السياق، تتكرس ظاهرة خطيرة هي رمزية التافهين. فكيف لشخص أو مجموعة أشخاص متورطين في التهريب أو الاتجار غير المشروع، أو حتى في تبييض الأموال، أن يتحولوا إلى رموز اجتماعية، يُشاد بهم لأنهم بنوا مستشفى أو مدرسة؟ في ظاهر الأمر، يُقدَّمون كفاعلي خير، لكنهم في العمق يُمارسون “إعادة تدوير للشر” في شكل منفعة ظاهرية، يتحكمون بها لاحقًا في مسارات اجتماعية وسياسية واقتصادية حساسة. هذه الفئة لا تمتلك الكفاءة ولا الفكر، لكنها تحسن اللعب على التناقضات: تستثمر في الفقر لتبدو فاعلة، وتستثمر في الجهل لتبدو راعية، وتستثمر في هشاشة الدولة لتبدو بديلاً عنها. فتصبح من خلال الإعلام و”الصدفة المدروسة” قدوة تتبع، بينما يتم تهميش المثقف الجاد لأنه لا يجيد الضجيج، ولا يملك أذرعًا في السوق أو الإعلام.

هناك أربع آليات رئيسية تساهم في هذا الانقلاب القيمي. أولها الإعلام المأجور أو الترفيهي المُبتذل، الذي يلعب دورًا كبيرًا في تطبيع التفاهة، عبر برامج تسطح الفكر وتحتفي بالسلوك الفج واللغة الهابطة والنجومية الرخيصة. فتُطمس النماذج الراقية ويُعاد إنتاج رموز لا تستحق الصدارة. ثانياً، تآكل المؤسسات التعليمية والتربوية، فعندما تنهار المدرسة والجامعة، وتصبح المعرفة عبئًا لا وسيلة للترقي الاجتماعي، يتسرب المعنى من الحياة العامة، ويُستبدل بعلاقات زبونية أو نفوذ مالي. ثالثاً، الفراغ القيمي والتشويش الرمزي، حيث يعيش المجتمع في فوضى رمزية، لا تعود فيها القيم محددة أو متفقاً عليها، فيُصبح الحياء ضعفاً، والصمت غباءً، والمبادرة خيانة، والنفاق حنكة، والاحتيال شطارة. وأخيراً، هيمنة رأس المال الريعي والفاسد، حيث يتمركز القرار المجتمعي في يد من لا يمثلون ضمير الأمة، بل من امتلكوا النفوذ بطرق ملتوية، فيغدون فاعلين ومتحكمين، بل و”مُفتين” في ما يجب أن يكون وما لا يكون.

أصبحت مفردات مثل “الكرامة”، “الأمانة”، “الصدق”، “الاجتهاد”، تُنطق إما على سبيل التهكم، أو بوصفها خطابات ماضوية. أما الواقع، فيؤكد كل يوم أن من ينجحون في التسلق والوصول ليسوا بالضرورة أصحاب كفاءة أو استحقاق، بل أصحاب دهاء وقدرة على إخفاء أهدافهم خلف خطاب ديني أو خيري أو وطني. وهكذا يُعاد بناء المشهد القيمي بشكل معكوس: الأصيل يُقصى، والمزور يُحتفى به؛ العارف يُحاصر، والجاهل يُمكّن، مما يثير تساؤلات حول الدور الحقيقي للمثقف.

في ظل هذا الانحدار، تطرح إشكالية دور المثقف نفسه. هل لا يزال للمثقف الجاد مكان في مشهد كهذا؟ أم أن النخبة بدورها انقسمت إلى منسحب، ومتواطئ، ومندمج في لعبة الرموز الزائفة؟ على المثقف الحقيقي، اليوم، أن يكون بمثابة “ضمير ضد الزمن”، لا مروّجًا لشعارات ولا متواطئًا بالصمت. دوره أن يفضح البنى الرمزية التي تنتج التفاهة، وأن يحفر في العمق لفهم لماذا فقد المجتمع قدرته على فرز الرموز. هل هو نتاج تحولات اقتصادية، أم تراكمات سياسية، أم اختلال في التربية؟

لا يكفي التنديد بالوضع، بل لا بد من بناء مشروع أخلاقي بديل، يقوم على إعادة ترميم منظومة المعنى، في مستويين. أولاً، إعادة الاعتبار للمعايير، حيث يجب أن يُستعاد معنى “القدوة” لا من خلال الوعظ، بل من خلال تربية نقدية تُعيد بناء الحس القيمي داخل المدرسة والجامعة والإعلام. ثانياً، النضال من أجل إصلاح المؤسسات، فلا مجال لأي تحول حقيقي ما لم تُسترجع الدولة من يد “الفاعلين الهجينين” وتُحمى المدرسة من الاختراق القيمي، ويُمنح الإعلام العمومي والمجتمعي دورًا وطنيًا حقيقيًا. نعم، نحن نعيش زمن الرداءة، لكن ذلك لا يعني الاستسلام. الشعوب تمر من لحظات سقوط، لكنها قادرة أيضًا على البعث حين تُولد في داخلها إرادة الاستفاقة. لا يتعلق الأمر بإحياء الماضي، بل بإعادة تعريف المستقبل بمعايير لا تبيع العقل مقابل الضجيج، ولا المروءة مقابل المال. الرد على زمن السخافة لا يكون بالصراخ، بل ببناء فكر بديل، ونموذج رمزي بديل، وشبكة قيم قادرة على الصمود، والامتداد، والاشتغال في الهامش حتى يقوى صوتها في المركز.

التعليقات مغلقة.