أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

سيدي قاسم: دينامية مدنية لإيصال صوت المتضررين وتصحيح مسار التعافي من الفيضانات

بقلم: أجريف عبد الرحيم

لا تزال آثار الفيضانات الأخيرة التي ضربت عددًا من مناطق المملكة، ضمنها إقليم سيدي قاسم، حاضرة بقوة في النقاش المحلي، مع دخول الإقليم مرحلة دقيقة عنوانها الأبرز: كيف يمكن الانتقال من تدبير استعجالي للأزمة إلى مسار تعاف منصف ومستدام؟

ففي الوقت الذي انصبت فيه الجهود الأولى على الإغاثة والتدخل السريع لفك العزلة وتقديم المساعدات، بدأت تبرز إلى السطح تساؤلات مرتبطة بمرحلة الإحصاء وتحديد المتضررين، خاصة في بعض الدواوير التي عرفت غمرًا كليًا أو جزئيًا للمنازل والأراضي الفلاحية. ويؤكد عدد من الفاعلين المحليين أن جزءًا من التوتر المسجل مرده إلى صعوبة فهم المعايير المعتمدة في التمييز بين الضرر الكلي والجزئي، ما خلق لدى بعض الأسر شعورًا بعدم الإنصاف، في ظل انتظارها لتوضيحات أكثر دقة وشفافية.

ويرى قاسم البسطي الخبير والباحت في منظمات المجتمع المدني أحد مؤسسي هده الدينامية في حواره مع هيسبريس، أن التحدي اليوم لا يرتبط فقط بقيمة التعويضات أو عدد المستفيدين، بل أيضًا بمدى وضوح الإجراءات المعتمدة وقدرة الجهات المعنية على التواصل الفعال مع الساكنة. فالثقة، وفق تعبير أحد الفاعلين، تشكل رأس المال الأهم في مرحلة ما بعد الكارثة، وأي غموض قد يضاعف الإحساس بالهشاشة لدى الأسر المتضررة.

في هذا السياق، أطلقت “الدينامية الإقليمية لأبناء وبنات إقليم سيدي قاسم” نداء مفتوحًا إلى أبناء الإقليم داخل الوطن وخارجه، وإلى مختلف الفاعلين المدنيين والمنتخبين والكفاءات والأطر، من أجل توحيد الجهود واستعادة عافية الإقليم. وأكدت المبادرة، في نصها التأسيسي، تقديرها للمجهودات التي بذلتها السلطات والفاعلون المحليون خلال المرحلة الاستعجالية، داعية في الآن ذاته إلى الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى مسار جماعي يقوم على تعبئة الطاقات وتنسيق المبادرات في إطار من التعاون والتكامل.

ويرتكز هذا النداء على مجموعة من المحاور العملية، في مقدمتها مواكبة المزارعين الصغار ومربي الماشية المتضررين، وتيسير استفادتهم الفعلية والعاجلة من برامج الدعم العمومي، مع رصد العراقيل الإدارية والواقعية واقتراح حلول عملية لتجاوزها. كما يشدد على ضرورة تقوية قدرات التعاونيات والجمعيات المحلية في مختلف جماعات الإقليم، حتى تضطلع بدورها كاملاً في إنعاش النسيج الاجتماعي والاقتصادي خلال مرحلة ما بعد الكارثة.

وفي البعد الاجتماعي، يدعو أصحاب المبادرة إلى تعزيز الولوج إلى خدمات صحية عمومية ملائمة، خاصة في الجماعات القروية المتضررة، وضمان تتبع الحالات الاجتماعية الهشة التي قد تتفاقم أوضاعها بسبب آثار الفيضانات. أما على المستوى التربوي، فقد تم التأكيد على أهمية دعم التلاميذ المتضررين عبر برامج للدعم المدرسي وتعبئة الأطر المتطوعة لحماية الحق في التمدرس ومنع الهدر الدراسي، إلى جانب النهوض بالتعليم الأولي في الدواوير المنكوبة باعتباره مدخلاً استراتيجيًا لضمان تكافؤ الفرص.

كما تضع الدينامية ضمن أولوياتها مواكبة الشباب والنساء في مشاريع مدرة للدخل من شأنها إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية والحد من تأثير الفيضانات على أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تعزيز التشاور المنتظم بين الإدارات المعنية والمنتخبين والفاعلين المدنيين لبناء رؤية مشتركة للتعافي وإعادة البناء. ولم يغفل النداء أهمية الانفتاح على كفاءات الإقليم داخل المغرب وخارجه للاستفادة من خبراتها في إعداد برامج ومقترحات عملية قابلة للتنفيذ، مع دعوة المنظمات الوطنية والدولية إلى إدراج الإقليم ضمن أولويات المواكبة التقنية والمالية في مرحلة ما بعد الكارثة.

ويؤكد الموقعون على النداء أن هذه الدينامية ليست إطارًا مغلقًا أو بديلاً عن المؤسسات، بل أرضية تعاون مفتوحة لكل المبادرات الجادة، غايتها خدمة ساكنة الإقليم واستعادة عافيته على أسس التضامن والمسؤولية والفعل المشترك.

وبين تحديات الإحصاء وانتظارات الساكنة، يقف إقليم سيدي قاسم أمام لحظة مفصلية: فإما أن تبقى مرحلة ما بعد الفيضانات محصورة في تدبير تقني للأضرار، أو تتحول إلى فرصة لإطلاق ورش جماعي يعيد ترتيب الأولويات ويؤسس لتنمية أكثر صلابة وعدلاً. وفي قلب هذا الرهان، يظل إيصال صوت المتضررين وضمان إنصافهم المدخل الأساسي لبناء تعاف حقيقي يعيد الثقة ويحصن الإقليم في مواجهة الأزمات المقبلة.

التعليقات مغلقة.