أعلنت وزارة الداخلية الصربية توقيف تسعة عناصر شرطة لا يزالون يزاولون مهامهم، إلى جانب شرطي سابق، للاشتباه في تورطهم في ممارسات تتعلق بتعذيب أشخاص كانوا رهن الاحتجاز وترهيبهم داخل مرأب تابع لمجمع حكومي بالعاصمة بلغراد.
وتأتي هذه التطورات في إطار تحقيقات قضائية بشأن وقائع تعود إلى يومي 14 و15 غشت 2025، حيث تشير معطيات التحقيق إلى تعرض عدد من المحتجزين لممارسات عنيفة وتهديدات، يُشتبه في أنها استُخدمت بهدف انتزاع معلومات منهم أو معاقبتهم خارج المساطر القانونية.
عناصر من وحدة أمنية خاصة في دائرة الاشتباه
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، ينتمي الموقوفون إلى وحدة أمنية نخبوية، وتشتبه السلطات في لجوئهم إلى استعمال القوة والتهديدات أثناء تعاملهم مع أشخاص كانوا موضوع احتجاز.
وتتركز التحقيقات على ظروف توقيف المعنيين بالأمر، وطريقة التعامل معهم خلال مراحل الاستجواب، ومدى احترام العناصر الأمنية للإجراءات القانونية المنظمة لهذه العمليات، فضلاً عن التحقق مما إذا كان استعمال القوة قد تم خارج الحدود التي يسمح بها القانون.
ولم تكشف السلطات عن الأسماء الكاملة للمشتبه فيهم، واكتفت بالإشارة إلى الأحرف الأولى من هوياتهم، في انتظار استكمال الإجراءات القضائية وتحديد المسؤوليات المحتملة لكل طرف.
اتهامات تثير تساؤلات بشأن حماية حقوق المحتجزين
وتتجاوز أهمية هذه القضية حدود الاشتباه في ارتكاب مخالفات مهنية، لتطرح إشكالات أوسع تتعلق بضمان احترام الحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين تحت سلطة الأجهزة الأمنية.
فالتعذيب وسوء المعاملة، في حال ثبوتهما قضائياً، يشكلان انتهاكاً خطيراً للقانون، ويعيدان طرح مسألة الرقابة على أداء الوحدات الأمنية، ومدى مسؤولية القيادات عن ضمان احترام الضوابط القانونية ومنع إساءة استعمال السلطة.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بالنظر إلى أن الاتهامات تطال عناصر يفترض أن تضطلع بمهمة إنفاذ القانون وحماية المواطنين، وهو ما يجعل نتائج التحقيق المنتظر ذات أهمية في تحديد طبيعة التجاوزات المحتملة والمسؤوليات المرتبطة بها.
خلفية من التوترات والاحتجاجات ضد الفساد
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي واجتماعي شهدته صربيا خلال عامي 2025 و2026، على خلفية احتجاجات واسعة ضد الفساد، ومطالب بإصلاح المؤسسات وتعزيز الشفافية والمساءلة.
كما واجهت طريقة تعامل السلطات مع بعض التحركات الاحتجاجية انتقادات من نشطاء ومنظمات حقوقية، خاصة فيما يتعلق باستخدام القوة خلال التدخلات الأمنية، والاعتقالات، وظروف التعامل مع الأشخاص المحتجزين.
ومع ذلك، لم تشكل الاتهامات الموجهة إلى العناصر الموقوفة حكماً نهائياً بثبوت مسؤوليتهم، إذ يظل الفصل في الوقائع وتحديد المسؤوليات من اختصاص القضاء، وفقاً للمساطر القانونية المعمول بها.
التحقيقات أمام اختبار استقلالية المساءلة
وتعيد القضية إلى الواجهة النقاش بشأن مدى فعالية آليات مراقبة الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وقدرتها على ضمان حماية الحقوق والحريات، ومنع أي استعمال غير مشروع للسلطة الأمنية.
كما تضع المؤسسات الصربية أمام مسؤولية ضمان سير التحقيقات وفق معايير الاستقلالية والشفافية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاك القانون، بصرف النظر عن رتبته أو موقعه داخل الجهاز الأمني.
وعلى المستوى الأوروبي، تكتسب مثل هذه الملفات أهمية خاصة في النقاش المتعلق بضرورة إخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مؤسساتية فعالة، تضمن احترام الكرامة الإنسانية وحقوق المحتجزين، وتحول دون استخدام السلطة الأمنية وسيلة للترهيب أو العقاب خارج القانون.
وتبقى الأنظار متجهة إلى نتائج التحقيقات القضائية، وما ستكشف عنه بشأن ملابسات الوقائع المشتبه فيها، ومدى تورط العناصر الموقوفة، وأي مسؤوليات أخرى قد تظهر خلال مراحل البحث.
التعليقات مغلقة.