شهد إقليم طاطا مؤخراً جدلاً واسعاً بعد قرار السلطات المحلية بإتلاف محاصيل البطيخ، تنفيذاً لحظر هذه الزراعة التي تُعتبر “مستنزفة للمياه”، في ظل أزمة مائية متفاقمة تجتاح المنطقة. القرار أثار نقاشاً بين الخبراء والحقوقيين حول ضرورة الانتقال نحو زراعات بديلة توازن بين التنمية الفلاحية والحفاظ على الموارد المائية.
وفي هذا السياق، دعا فاعلون محليون إلى تكثيف حملات التحسيس والتوعية للفلاحين، مع توفير دعم فعلي لتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً، حتى لا يتحول القرار إلى عامل تهديد للاستقرار الاجتماعي في المنطقة.
وأوضح فريد الخمسي، رئيس المكتب الإقليمي للمركز المغربي لحقوق الإنسان بطاطا، أن الإقليم يعيش “وضعاً مائياً حرجاً” نتيجة توالي سنوات الجفاف. وأكد الخمسي أن استمرار الزراعات المستنزفة للفرشة المائية، وعلى رأسها زراعة البطيخ، يمثل تهديداً للموارد المائية المتاحة، لا سيما مع نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، ما اضطر السلطات إلى تقنين التزويد اليومي. وأضاف أن تدهور الواحات يهدد نمط العيش المحلي، فيما فقد الإقليم جزءاً من سكانه بسبب الهجرة الاضطرارية، إذ انخفض عدد السكان من 124 ألف نسمة إلى 111 ألفاً وفق إحصاء 2024، نتيجة الأزمة البيئية والمائية المتفاقمة.
من جهته، أوضح عبد الرحيم الكسيري، المنسق الوطني للائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أن الأمطار الأخيرة لم تسهم إلا جزئياً في استعادة الموارد المائية، إذ لم تتجاوز نسبة ملء السدود 50 في المائة، مؤكداً هشاشة المناطق الصحراوية لغياب تضاريس تساعد على تخزين المياه السطحية. وأضاف أن المياه الجوفية، التي تمثل المورد الأساسي في الجنوب الشرقي، تتجدد ببطء شديد مقارنة بالمياه السطحية، ما يجعل الاعتماد على التساقطات الموسمية “طرحاً غير واقعي”.
وأشار الكسيري إلى أن الفلاحة تمتص ما بين 85 و90 في المائة من الموارد المائية، داعياً إلى ترشيد الاستغلال ومراقبة الفرشات المائية بشكل صارم. وشدد على ضرورة تبني الفلاحين زراعات بديلة أقل استهلاكاً للماء، مثل الأشجار المثمرة والغابوية، مؤكداً أن الحفاظ على الماء الصالح للشرب واستدامة الواحات يشكلان “الضمان الوحيد لتفادي مسيرات العطش وحماية استقرار السكان في الأقاليم المتضررة”.
يبقى إقليم طاطا اليوم أمام تحدٍ مزدوج: ضرورة حماية الموارد المائية المهددة والجفاف المستمر، وفي الوقت نفسه ضمان استقرار السكان وتحقيق التنمية الفلاحية بطرق مستدامة.

التعليقات مغلقة.