أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالة رسمية إلى زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، على ضرورة الالتزام بالمسار السياسي الواقعي والعملي الذي ترعاه المنظمة الأممية، وذلك ردا على ما تسميه الجبهة “المقترح الموسع” الذي قدمته مؤخرا للأمم المتحدة.
وجاءت هذه المراسلة في ظرف استثنائي يطبع المرحلة التي تلت صدور قرار مجلس الأمن الأخير بشأن قضية الصحراء المغربية، الذي يشكل منعطفا تاريخيا في مسار هذا النزاع الإقليمي الممتد منذ خمسة عقود.
تأكيد على المرجعيات الأممية
بحسب المراقبين، فإن مراسلة المسؤول الأممي تمثل تذكيراً للأطراف بضرورة الانخراط في رؤية الأمم المتحدة القائمة على الحل السياسي الواقعي المبني على التوافق، في انسجام تام مع القرارات الأممية الأخيرة التي أشادت بالجهود الجدية وذات المصداقية التي يبذلها المغرب.
وشدد غوتيريش في رسالته على أهمية استثمار الدينامية التي أفرزتها مناقشات مجلس الأمن من أجل الدفع نحو حل متوافق عليه، مشيرا إلى أن “المساعي الأممية تظل منصبة على تحقيق تقدم ملموس يفضي إلى تسوية دائمة تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة، من خلال الحوار الجاد والالتزام بروح الواقعية والمسؤولية”.
وفي هذا الصدد، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش” المتخصصة في قضايا حقوق الإنسان، إن المراسلة جاءت في سياق توضيحي بعد اعتماد مجلس الأمن قراره رقم 2797، “لتذكير الجبهة بمضمون الالتزامات الدولية، ودعوتها إلى الانخراط الفعلي في المسار السياسي الرامي إلى إيجاد حل دائم للنزاع حول الصحراء المغربية”.
قرار أممي تاريخي ودينامية جديدة
يشكل القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي بشأن نزاع الصحراء المغربية انعطافة جذرية في مسار هذا الملف، كما أوضحت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، لما يتضمنه من إشارات إيجابية تعيد قراءة القانون الدولي المتعلق بفض النزاعات بطرق سلمية، وتتجاوز المقاربات التقليدية الضيقة التي ظلت تراهن على خيار تقرير المصير المفضي إلى الانفصال.
وأكدت لغزال أن “القرار الجديد يُعد انتصارا لشرعية الموقف المغربي في بسط سيادته على أقاليمه الجنوبية واستكمال مسيرته التنموية، كما يفتح آفاقا رحبة لبناء تكتل إقليمي متماسك يضمن لشعوب المنطقة الكرامة والتنمية والولوج إلى الحقوق والحريات”.
وهذا التوجه يتماشى مع التحول في الموقف الدولي الذي تجسد في تصويت 11 بلدا لصالح القرار الأممي الذي أشار بشكل واضح إلى أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الحل الأكثر واقعية للنزاع .
تذكير بالالتزامات الدولية
طالب غوتيريش في رسالته بضرورة العودة إلى روح التهدئة واحترام وقف إطلاق النار، مؤكدا أن أي خرق لذلك سيُنظر إليه كتهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين، وليس مجرد تجاوز ميداني.
وهذا ليس الموقف الأول للأمين العام للأمم المتحدة من الانتهاكات التي تقوم بها البوليساريو، حيث كان قد ندّد سابقاً في تقاريره لمجلس الأمن بالعراقيل التي تفرضها البوليساريو على حرية حركة بعثة المينورسو، مما يحول دون اضطلاع البعثة بمهامها في مراقبة وقف إطلاق النار .
بل إن غوتيريش كان قد ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أكد أن قضية الصحراء كانت موجودة قبل ظهور جبهة البوليساريو، مشيراً إلى أن النزاع يعود إلى الفترة التي تخلت فيها إسبانيا عن الإقليم ووصلت إلى اتفاق لتقسيم المنطقة بين المغرب وموريتانيا دون أي استفتاء لتقرير المصير .
آفاق مستقبلية وتوجه دولي
يأتي هذا التطور في سياق المتغيرات الإقليمية والدولية التي تشكل داعماً للموقف المغربي، حيث يشير الكاين إلى أن “استمرار التصعيد لن يخدم سوى إضعاف موقع البوليساريو والجزائر داخل المنظومة الأممية، في حين يواصل المغرب كسب ثقة المنتظم الدولي بفضل واقعيته ووضوح رؤيته السياسية”.
أما مينة لغزال فترى أن “اللحظة الراهنة ليست انتصار طرف على آخر، بقدر ما تمثل فرصة لبناء أرضية جديدة للحوار الجاد والمسؤول بين كافة المعنيين، بمن فيهم الجزائر وساكنة المخيمات بتندوف، من أجل طي صفحة الجمود الذي امتد لأزيد من خمسة عقود”.
وتضيف أن “هذا التوجه الأممي يعكس إرادة دولية متزايدة لخلق واقع جديد قوامه الحلول الواقعية والمستدامة بعيدا عن منطق الصراع والمواجهة”.
انخراط البوليساريو في المسار التفاوضي بحسن نية أصبح امتحاناً لجدية هذه الجبهة في الوصول إلى حل دائم، في وقت يبدو فيه المجتمع الدولي مصمماً على إنهاء أحد أطول النزاعات في المنطقة العربية، والذي يشكل عقبة كأداء أمام تحقيق التكامل الإقليمي في المغرب العربي.
إن الرسالة الواضحة التي وجهها غوتيريش للبوليساريو تمثل منعطفاً جديداً في هذا الملف، وتؤكد أن المسار السياسي الواقعي هو السبيل الوحيد لتسوية هذا النزاع، في إطار الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، والذي يحظى بدعم متزايد من المجتمع الدولي.
نقلا عن : هسبريس

التعليقات مغلقة.