دقّت أجراس الإنذار تحت قبة البرلمان المغربي، على خلفية ما بات يُعرف بـ“الفوضى الرقمية” التي امتدّت لتطال واحدة من أقدس الروابط الاجتماعية: مؤسسة الزواج. فمع الانتشار المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي، برزت صفحات مشبوهة تحترف السمسرة في عقود الزواج والتعدد، مستغلة هشاشة قانونية ورقابية، ومحوّلة الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوح للابتزاز والنصب المقنّع.
وفي هذا السياق، نقل النائب البرلماني عبد الرحمان وافا، عن فريق الأصالة والمعاصرة، هواجس واسعة داخل المجتمع المغربي إلى مكتب وزير العدل، عبر سؤال كتابي يُحذّر من تنامي هذه الظاهرة الخطيرة. السؤال البرلماني لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى معطيات متداولة على نطاق واسع، تؤكد أن هذه الصفحات لا تكتفي بالترويج لعروض “زواج سريع” أو “تعدد مضمون”، بل تتقاضى مقابلاً مادياً، وتنسج شبكات وساطة خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي.
وتُثير هذه الممارسات مخاوف حقيقية، ليس فقط بسبب ما تنطوي عليه من شبهة النصب والاحتيال، بل لما تحمله من تهديد مباشر للاستقرار الأسري، ولصورة مؤسسة الزواج التي يحميها الدستور، وتؤطرها مدونة الأسرة بقواعد دقيقة تضمن الحقوق والواجبات. فبدل أن يكون الزواج عقداً شرعياً وقانونياً، تحوّل في هذه الصفحات إلى “خدمة رقمية” تُسوَّق بعناوين براقة، وتُدار في الخفاء دون حسيب أو رقيب.
الأخطر من ذلك، أن هذه الشبكات الرقمية تستهدف في الغالب فئات هشة: نساء في وضعية اجتماعية صعبة، أو رجال يبحثون عن حلول ملتوية للتعدد، ما يفتح الباب أمام الاستغلال، والابتزاز، وحتى الاتجار غير المباشر في الأشخاص. ورغم خطورة الوقائع، يلاحظ متتبعون غياب تحرك حازم من طرف السلطات المعنية للحد من هذا النزيف، سواء عبر التتبع الرقمي، أو بتفعيل المقتضيات الزجرية المنصوص عليها في القوانين الجاري بها العمل.
ويطرح هذا الوضع أكثر من علامة استفهام حول نجاعة المراقبة الرقمية، وحدود التنسيق بين القطاعات المعنية، خاصة وزارة العدل والنيابة العامة والسلطات المكلفة بمحاربة الجرائم الإلكترونية. فالصمت الرسمي، أو الاكتفاء بردود عامة، يُفسَّر لدى الرأي العام كنوع من التراخي، ويمنح هذه الصفحات هامشاً أكبر للاستمرار والتوسع.
إن السؤال البرلماني الذي وجّهه عبد الرحمان وافا يعكس وعياً سياسياً بخطورة المرحلة، لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر إجراءات قانونية ورقابية واضحة، أو ترك المجال مفتوحاً أمام شبكات النصب لتقويض الثقة في مؤسسة الزواج، وضرب القيم الاجتماعية في العمق.
وبين فوضى رقمية تتغذى على الفراغ، وسلطات مطالَبة بالتحرك العاجل، يبقى الرهان قائماً على حماية المجتمع من هذا الشكل الجديد من الاحتيال، وإعادة الاعتبار لهيبة القانون في الفضاءين الواقعي والافتراضي على حد سواء.

التعليقات مغلقة.