في المغرب والعالم العربي اليوم، يعيش كثير من الناس صدمة حقيقية وهم يرون كيف تغيرت قيمة الإنسان داخل المجتمع.
أصبح الأستاذ الذي يدرّس سنوات طويلة، والباحث الذي يقضي عمره في العلم والمعرفة، يعيش أحيانًا حياة بسيطة وصعبة، بينما صانع محتوى يقدم التفاهة أو الضجيج أو الفضائح يستطيع أن يجني أموالًا ضخمة وشهرة واسعة في وقت قصير جدًا.
وهنا يظهر سؤال مؤلم داخل عقول الشباب: كيف أصبح صانع التفاهة أكثر طلبًا وشهرة وربحًا من الأستاذ والعالم والباحث؟
في الماضي، كانت القدوة داخل المجتمع هي الإنسان المتعلم، المثقف، صاحب الفكر والمعرفة.
كان الناس يحترمون المعلم والطبيب والباحث والمهندس، لأنهم يمثلون قيمة العلم والعمل الحقيقي أما اليوم، فقد قلبت مواقع التواصل الاجتماعي الموازين بشكل كبير.
أصبح الشخص الذي يجذب الانتباه بسرعة، حتى لو بمحتوى سطحي أو مثير أو فارغ، قادرًا على الوصول إلى ملايين الناس وتحقيق أرباح ضخمة من الإعلانات والمشاهدات والشهرة بينما الأستاذ أو الباحث، رغم تعبه وسنوات دراسته، قد لا يجد حتى التقدير المعنوي الذي يستحقه.
أصبح بعض صناع المحتوى يعيشون حياة فاخرة: سيارات،سفر،شهرة،متابعون بالملايين، وإعلانات بمبالغ كبيرة.
وفي المقابل، هناك أستاذ أو باحث يقضي عمره بين الكتب والدراسة والتكوين، لكنه يعاني من الضغط المادي وقلة التقدير وضعف الاهتمام المجتمعي وهذا خلق إحباطًا كبيرًا عند فئة من الشباب.
لأن الشاب عندما يرى أن التفاهة تربح أكثر من العلم، يبدأ يفقد ثقته في قيمة الدراسة والعمل الجاد.
بعض الشباب أصبحوا يقولون: “لماذا أتعب سنوات في الدراسة إذا كان الترند واللايفات والمحتوى السطحي يجلب المال أسرع؟”وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لأن المجتمع عندما يبدأ في مكافأة الضجيج أكثر من الفكر، تتحول الشهرة إلى هدف أكبر من المعرفة، ويصبح جمع المشاهدات أهم من بناء العقل والوعي.
لكن المشكلة ليست فقط في صناع المحتوى، بل أيضًا في طبيعة العالم الرقمي نفسه.الخوارزميات تفضّل ما يجذب الانتباه بسرعة: الفضائح، الصراعات ،الإثارة، الحياة الخاصة، والترندات اليومية.
أما المحتوى العلمي والثقافي، فيحتاج صبرًا وتركيزًا، وهو ما أصبح أضعف عند كثير من الناس في عصر الفيديوهات القصيرة والاستهلاك السريع.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال كل صناع المحتوى في التفاهة، لأن هناك أيضًا من يقدم محتوى مفيدًا وتعليميًا وثقافيًا محترمًا.
لكن الظاهرة التي يلاحظها الناس بوضوح، هي أن المحتوى السطحي غالبًا ينتشر أسرع ويحصل على اهتمام أكبر.
وهذا جعل بعض الشباب يشعرون أن المجتمع أصبح يقدّس الشهرة أكثر من القيمة الحقيقية لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن المجتمعات لا تتطور بالترند فقط العالم الذي يكتشف، والأستاذ الذي يربي، والباحث الذي يطور المعرفة، والمهندس الذي يبني،
هم الذين يصنعون مستقبل الأمم الحقيقي حتى لو لم يكونوا الأكثر شهرة.قد يربح صانع التفاهة مالًا أسرع، لكن العلم والمعرفة هما ما يبقيان أثرًا حقيقيًا داخل المجتمع.
المغرب والعالم العربي اليوم بحاجة إلى إعادة التوازن: أن نحترم الترفيه بدون أن نحول التفاهة إلى قدوة،
وأن نعيد الاعتبار للعلم والتعليم والثقافة والبحث العلمي.
لأن أخطر شيء ليس وجود محتوى سطحي فقط، بل أن يكبر جيل كامل وهو يعتقد أن النجاح الحقيقي يعني فقط: الشهرة السريعة، المشاهدات ،والمال السهل .بينما الأمم القوية تُبنى بالعقول، لا بعدد المتابعين فقط.

التعليقات مغلقة.