في خضم الحرب المستمرة، تكشف التطورات الأخيرة عن مشهد إعلامي إسرائيلي في حالة من التخبط العميق، حيث تواجه الرقابة العسكرية تحديات غير مسبوقة في احتكار المعلومات، بينما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى المصدر الأول للمواطنين لمعرفة مسار الصواريخ وحجم الخسائر.
تطبيق “تليغرام” أصبح منصة مركزية لتسريب المعلومات الأمنية، حيث ينقل متطوعون وعاملون في غرف الطوارئ البيانات الأولية عن مسارات الصواريخ قبل صدور صفارات الإنذار الرسمية. وتبرز شخصيات عادية مثل الشاب الحريدي “ع” والفتى نهوراي مردخاي (16 عامًا) الذين يديرون مجموعات تضم آلافًا من المشتركين، ويلجأ بعضهم إلى استثمار المنصة تجاريًا عبر الإعلانات المرتبطة بأحداث الانفجارات.
هذه الظاهرة كشفت محدودية قدرة الجيش الإسرائيلي على فرض التعتيم الإعلامي، لا سيما مع تسريب تفاصيل حركة الطيران المروحي المخصص لإجلاء الجنود المصابين، ما يعطي الجمهور صورة أولية عن حجم الخسائر قبل صدور أي بيان رسمي.
يرى هيدي نيغيف، المدير العام للحركة من أجل حرية المعلومات في إسرائيل، أن الرقابة العسكرية تتحكم بوعي الجبهة الداخلية بشكل كامل، حيث يُجبر الصحفيون على تقديم تقاريرهم للحصول على إذن مسبق قبل النشر، بينما يمارس الكثيرون “الرقابة الذاتية” خشية التصادم مع المؤسسة العسكرية. وهذا يؤدي إلى إخفاء أخبار وتقارير كاملة عن الجمهور، بينما تعجز القوانين عن السماح بمراجعة قرارات الرقيب أو انتقادها.
الإعلام الإسرائيلي الرسمي يظهر حالة من الخضوع التام للرقابة العسكرية، حيث تتكرر عبارة “بموافقة الرقابة” على الشاشات ومنصات التواصل. وتشير انتقادات كتاب مثل غاي رونين وجدعون ليفي إلى أن الصحافة تحولت إلى مجرد صدى لرسائل الجيش، دون أي تحقيق أو فحص، مع استخدام مصطلحات غامضة للترويج لانتصارات وهمية، وإخفاء الحقائق الحقيقية عن مواقع الصواريخ والخسائر.
يشكل المواطنون العرب في إسرائيل نحو 18% من السكان، لكنهم يعانون من تهميش إعلامي وميداني مزدوج. فقد أظهر تقرير “مؤشر التمثيل” أن العرب ظهروا في 0.5% فقط من الأخبار المركزية خلال أول 9 أيام من التصعيد، فيما كانت شبكة “القناة 12” الأسوأ في تمثيلهم. كما يعيش 41% من العرب دون أي مساحات محصنة، بينما تغطي التقارير الإعلامية أزمة الملاجئ العامة بالكاد، مع تخصيص 3 تقارير فقط للبلدات العربية من أصل 199 تقريرًا.
هذا التهميش لا يعكس فقط إخفاقًا مهنيًا، بل يشير إلى سقوط أخلاقي يعمق الفجوة الوجدانية والمعرفية بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.

التعليقات مغلقة.