أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

مخيمات تندوف على صفيح ساخن

تعيش مخيمات تندوف على وقع توتر متصاعد، أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة وقديمة–جديدة حول طبيعة الصراع داخل جبهة البوليساريو، وحدود القرار فيها، ومن يملك فعليًا مفاتيح السلطة، بل والحياة والموت. فوفاة القيادي البارز والمعارض مصطفى ولد سيد البشير في ظروف غامضة، لا تبدو حدثًا معزولًا، بقدر ما تُقرأ كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من “الإسكات المنهجي” لكل من يحاول كسر جدار الصمت من داخل الجبهة.

تاريخ طويل من الإقصاء

منذ مقتل مؤسس الجبهة الوالي مصطفى السيد، ظل شبح التصفية يخيّم على كل الأصوات التي تجرأت على إعادة طرح أسئلة الشرعية والتمثيل داخل البوليساريو. فرغم تقديم الوالي مصطفى السيد كرمز ثوري، إلا أن نهايته فتحت الباب مبكرًا أمام صراعات خفية، تزامنت مع تحول تدريجي في طبيعة الجبهة من حركة تدّعي التحرر، إلى أداة وظيفية مرتبطة بالنظام العسكري الجزائري.

معارضة داخلية تحت الحصار

لم يكن مصطفى ولد سيد البشير شخصية عادية داخل هياكل البوليساريو. فقد شغل عضوية الأمانة العامة، وتولى مسؤوليات تنظيمية وازنة، قبل أن يتحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الأصوات المنتقدة لما وصفه بـ“تحجر القيادة” واحتكار القرار داخل دائرة ضيقة، يتصدرها إبراهيم غالي.

وتجرأ الراحل على تسليط الضوء على التناقض الصارخ بين الواقع اليومي القاسي لسكان المخيمات، ومعاناة “لحمادة”، وبين الامتيازات التي تتمتع بها القيادات، التي تعيش – حسب منتقديها – في عزلة تامة عن أوضاع السكان. هذا الخطاب لقي صدى واسعًا داخل المخيمات، خاصة في أوساط الشباب، ما جعله مصدر قلق حقيقي للقيادة.

سياق دولي غير مريح

جاء هذا الحراك الداخلي في لحظة دولية حساسة، تزامنت مع صدور قرار أممي استقبله جزء من الصحراويين بارتياح حذر، باعتباره يفتح أفقًا سياسيًا مغايرًا لخطاب “الحرب المفتوحة”. غير أن هذا التوجه لم يلقَ القبول لدى النظام العسكري الجزائري، الذي يرى في أي انفراج سياسي تهديدًا مباشرًا لدوره الإقليمي في ملف الصحراء.

وفاة غامضة وتوقيت مريب

رغم الإعلان الرسمي عن وفاة مصطفى ولد سيد البشير بسبب تدهور حالته الصحية، إلا أن غياب أي توضيح شفاف، إلى جانب سجل الجبهة الحافل بحالات التصفية أو التحييد القسري للمعارضين، جعلا هذه الرواية محل تشكيك واسع داخل المخيمات وخارجها.

فالتوقيت، والسياق السياسي، وطبيعة مواقف الراحل، كلها عوامل غذّت فرضيات “الاغتيال البطيء” أو التصفية غير المباشرة، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات مستقلة قادرة على التحقيق أو المساءلة.

رسالة إلى الداخل

داخل مخيمات تندوف، يُنظر إلى الحادثة باعتبارها رسالة واضحة:
كل من يحاول فك الارتباط بين البوليساريو والوصاية الأمنية الجزائرية، أو يسعى إلى مساءلة القيادة، سيكون مصيره الإقصاء، أو العزل، أو التصفية بأشكال مختلفة.

إلى أين تتجه المخيمات؟

المؤشرات الحالية لا توحي بأي تهدئة قريبة. بل يتوقع مراقبون تصاعد التوتر، وربما تكرار سيناريو “الوفيات الغامضة”، في ظل تنامي الوعي داخل أوساط الشباب الصحراوي بأن معاناته المستمرة لا تخدم سوى أجندات خارجية، ولا تحقق له أي أفق سياسي أو إنساني.

إن هذا المسلسل المتواصل من الإقصاء والتصفية يكشف هشاشة البنية الداخلية للبوليساريو، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول ادعاءات التمثيل والدفاع عن الحقوق، في ظل واقع لا يحتمل النقد ولا يسمح بالاختلاف.

سؤال مفتوح

في النهاية، يبقى السؤال معلقًا بإلحاح:
كم مصطفى آخر يجب أن يسقط، حتى يدرك العالم أن ما يجري في مخيمات تندوف لم يعد “قضية تحرر”، بل مأساة إنسانية وسياسية تُدار بعقلية أمنية لا تعيش إلا على الخوف والإقصاء؟

التعليقات مغلقة.