ما زال نظام “الحدود الذكية” الذي شرعت السلطات الإسبانية في تشغيله بمدينة مليلية المحتلة منذ أكتوبر الماضي، يمر بمرحلة اختبار وتطوير، وسط تباين واضح في التقييمات بشأن أدائه ونجاعته على أرض الواقع. فبينما تؤكد الحكومة المحلية أن النظام يعمل بشكل طبيعي، يقدم مسؤولو الأجهزة الأمنية، إلى جانب مستعملي المعبر الحدودي، صورة أكثر تحفظًا تعكس استمرار اختلالات تقنية وتأثيرها المباشر على حركة العبور.
وفي هذا السياق، أوضح خيسوس رويز، الأمين العام لاتحاد الشرطة الموحد بمليلية، أن النظام يواجه أعطالا تقنية متوقعة بالنظر إلى طبيعته التكنولوجية المعقدة، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بسوء تأهيل العناصر الأمنية، التي تلقت – حسب قوله – تدريبا أوليا وتواصل تطوير مهاراتها بشكل منتظم. وأرجع رويز هذه الأعطاب إلى مشكلات في البنية التحتية الرقمية، تشمل اضطرابات في الشبكة وبطئا في تحميل ومعالجة البيانات.
وتعتمد منظومة “الحدود الذكية” على تقنيات بيومترية متقدمة، من بينها التعرف على الوجه وبصمات الأصابع، ما يستدعي معالجة كميات ضخمة من المعلومات في وقت وجيز. ويرى رويز أن هذا المعطى التقني يفسر حالات التباطؤ المسجلة أحيانا، معتبرا أن هذه التحديات تبقى طبيعية في مشاريع من هذا الحجم، وأن فرقا تقنية متخصصة تعمل بشكل مستمر على تجاوزها.
في المقابل، يعبر عدد من مغاربة مليلية ومستعملي المعبر الحدودي عن استيائهم من طول فترات الانتظار، خاصة داخل طوابير السيارات قبل الوصول إلى معبر بني أنصار. وأكد هؤلاء، في تصريحات إعلامية، أن الأعطال المتكررة في النظام تدفع السلطات في كثير من الأحيان إلى العودة إلى الإجراءات التقليدية، عبر استخدام الحواسيب اليدوية في الجانب الإسباني والختم اليدوي في الجانب المغربي، ما يفقد المشروع جوهره “الذكي”.
ورغم تأكيد الحكومة المحلية أن النظام يعمل بشكل طبيعي، يرى رويز أن أداءه لا يزال غير مستقر بشكل يومي، مشددًا على أن الاختبار الحقيقي لفعاليته سيكون خلال عملية “عبور المضيق”، التي تعرف ضغطًا كبيرًا على المعابر الحدودية. وأضاف أن جميع الأعطاب المسجلة تم التبليغ عنها للجهات المختصة من أجل معالجتها.
وخلال فترات الذروة، خصوصا العطل الرسمية، أشار المسؤول الأمني إلى أن النظام أظهر أداء مقبولا رغم تسجيل بعض الأعطاب الطفيفة التي لم تؤثر بشكل كبير على حركة المرور. كما أعرب عن تفاؤله بأن شهر رمضان لن يشهد اختناقات حادة، متوقعًا أن يتركز الضغط في فترات ما بعد الإفطار دون بلوغ مستويات مقلقة.
وعلى المستوى الأمني، يعتبر رويز أن نظام “الحدود الذكية” يشكل نقلة نوعية في مراقبة الحدود، لما يتيحه من تتبع تحركات غير المقيمين في إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي، وتعزيز الرقابة على التأشيرات والإقامات والتنقلات، بما يساهم في تعزيز الأمن العام داخل المدينة.
في الجهة المقابلة، تواصل المصالح الأمنية المغربية جهودها لتأمين وتيسير عملية العبور عبر النقطة الحدودية “باب مليلية”، مع تشديد المراقبة للتصدي لمحاولات تهريب الممنوعات. وقد مكنت هذه الإجراءات، في أكثر من مناسبة، من إحباط عمليات تهريب لمواد محظورة، من بينها مخدر الشيرا والكوكايين والأقراص المهلوسة.
ورغم كل هذه الجهود، يجمع عمال وسياح وسكان المنطقة على أن البنية التحتية الحالية للمعبر الحدودي لا تستجيب لتطلعاتهم، معتبرين أن مشروع “الحدود الذكية”، الذي رُوّج له عند إطلاقه كمبادرة “ثورية”، لم يفِ بوعوده، بل تحول – في نظرهم – إلى عبء يومي يزيد من معاناتهم نتيجة ضعف الكفاءة التشغيلية وسوء التخطيط الإداري.

التعليقات مغلقة.