أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

ڤوكس وحروب الحروف: لماذا تخشى بعض الأحزاب الأوروبية أبجدية طفل؟”

جريدة أصوات

 

عاد حزب ڤوكس اليميني الإسباني إلى واجهة الأخبار بحملة جديدة، لكن هذه المرة ليس ضد الهجرة غير النظامية أو الأزمات الاقتصادية، بل ضد حصص ثقافية لتعليم اللغة العربية لأطفال مغاربة في ست مدارس عمومية بمدينة تيراسا الكتالونية. المتهم؟ أن هذه الحصص “مموّلة ومراقبة من المغرب”، وأنها تشكل “عملية تأثير ثقافي” خطير. بينما ينشغل العالم بتحديات المستقبل، يبدو أن ڤوكس ما زال عالقاً في معركة ضد ظلال وحروف.

 

الدروس المثيرة للجدل هي جزء من برنامج لتدريس اللغة والثقافة المغربيتين، موجّه لأطفال من أصول مغربية في المدارس العمومية. وهو نمط تعاون تعليمي ثقافي شائع في العديد من الدول الأوروبية مع بلدان المنشأ، بهدف الحفاظ على الرابط اللغوي والهوياتي لأبناء الجاليات. الأسر والمعلمون والمؤسسات التعليمية المشاركة ترى في هذه الحصص إثراء للتنوع وقناة اتصال إيجابية بين الهويتين: الهوية الأصلية والهوية الإسبانية/الكتالونية التي يعيشون في كنفها.

تحويل برنامج تربوي إلى “تهديد أمن ثقافي” هو استراتيجية مألوفة في أدبيات اليمين الشعبوي. تصريح المتحدثة أليسيا توماس يكشف النظرة القاصرة: فبدلاً من اعتبار تعلم اللغة الأم جسراً نحو الاندماج الإيجابي – كما تؤكد الأدلة التربوية – يصر الحزب على تصويره كـ”عملية تأثير”. الرسالة الضمنية: الاندماج الحقيقي، في منطقهم، يعني القطيعة مع الأصل، والانسلاخ من الجذور، والتخلي عن أي بصمة ثقافية مختلفة. إنه اندماج مشروط بالذوبان الكامل والخضوع لمعايير أحادية.

بينما تناقش الحكومات التقدمية كيف تدمج الذكاء الاصطناعي في الفصول، أو كيف تعدّ الطلاب لوظائف المستقبل، يعلن ڤوكس “ناقوس الخطر” لأن طفلاً يكتب حرف الباء. بينما تعاني إسبانيا من تحديات حقيقية في التعليم والبطالة والخدمات، يخصص الحزب جهوده لمحاربة ثقافة جزء من مواطنيه. التركيز على “العدو الداخلي” الثقافي يصرف الانتباه عن فشل السياسات الحقيقية، ويوفر كبش فداء سهلاً في الخطابات التحريضية.

في دول مثل السويد وكندا وهولندا والمملكة المتحدة، تعتبر برامج تعليم لغات وثقافات الأصل (Heritage Language Programs) استثماراً في تنمية الطفل الشاملة، وتعزيز ثقته بنفسه، وتسهيل اندماجه كفرد قادر على الجمع بين هويات متعددة. الدراسات تظهر أن الأطفال الذين يتقنون لغتهم الأم يكونون أكثر قدرة على تعلم لغات جديدة، وأكثر تماسكاً نفسياً. إنه نهج ينظر إلى التنوع كرصيد، وليس كعبء.

الخطر ليس في أن يتعلم طفل مغربي العربية، بل في أن يتحول خطاب الكراهية ضد هذا الحق البسيط إلى سياسة عامة. الخطر يكمن في حرمان جيل من أدوات التواصل مع عائلاته وتراثه، وفي إرسال رسالة مفادها أن هويته “غير مرغوب فيها”. الخطر الأكبر هو تفكيك النسيج الاجتماعي عبر تحويل التعايش إلى ساحة شك واتهام.

خاتمة:
معركة ڤوكس ضد الحروف العربية في تيراسا هي جزء من مسرحية أكبر: مسرحية البحث عن عدو لتبرير الوجود السياسي. لكن ثمن هذه المسرحية يدفعه الأطفال والأسر والمجتمع الإسباني ككل، الذي يتعرّض نسيجه للتشقق. في النهاية، السؤال الجوهري ليس “لماذا يتعلم هؤلاء الأطفال العربية؟”، بل “لماذا يخشى حزب سياسي من حروف يتعلمها أطفال في فصولهم؟”. الجواب قد يكشف الكثير عن أزمات الديمقراطيات المعاصرة في مواجهة خطابات الخوف والانقسام.

عندما يصبح الحرف عدواً، تكون المعركة الحقيقية قد خسرت ضد الجهل. وعندما تُستبدل مناهج التنوع بخطابات الحصار، فإن الخاسر الأكبر هو مستقبل المجتمع نفسه. تيراسا اليوم هي مجرد نموذج، ولكن المعركة هي عن هوية أوروبا التي نريد: قلعة منغلقة، أم فسيفساء غنية تتعلم من كل ألوانها؟

التعليقات مغلقة.