تتصدر فيه أمراض القلب والأوعية الدموية قائمة أسباب الوفاة عالمياً، مساهمةً في نحو 30% من الوفيات والإعاقات، يبشر خبراء الطب بإمكانية قلب هذه المعادلة بشكل كبير. فالوقاية ممكنة، والمفاتيح ليست بالضرورة معقدة أو بعيدة المنال.
ويؤكد الدكتور جون دينفيلد، أستاذ أمراض القلب في “جامعة لندن كوليدج” واستشاري أمراض القلب، أن النوبات القلبية الأولى – والتي تحدث عادةً حول سن السابعة والستين – نادراً ما تكون “ضربة حظ” عشوائية. فالدلائل العلمية تشير إلى أن 70 إلى 80% من هذه النوبات يمكن إرجاعها إلى عوامل خارجية ونمط حياة يمكن التحكم فيه وتعديله، فيما تلعب الوراثة دوراً أقل حتمية مما قد يعتقد البعض.
ويقدم دينفيلد، في تصريحات نقلتها “ديلي تلغراف” ، خارطة طريق عملية تقوم على أربعة تغييرات جوهرية في نمط الحياة، تستهدف العوامل الأربعة الرئيسية القابلة للتعديل التي تقف خاطر معظم النوبات القلبية: التدخين، ارتفاع الكوليسترول، ارتفاع ضغط الدم، وداء السكري.
لا يزال التدخين هو السلوك الأكثر ضرراً بصحة القلب. فهو لا يلحق الضرر ببطانة الشرايين فحسب، بل يسبب الالتهاب ويزيد من تجلط الدم. بمرور الوقت، تتراكم اللويحات في الشرايين، وإذا تمزقت قد تؤدي إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغية مفاجئة. والخبر المفرح هو أن الإقلاع عن التدخين، خاصة قبل سن الأربعين، يمكن أن يستعيد للمدخن نحو 90% من سنوات العمر التي كان قد فقدها بسبب هذه العادة، والتي تقدر في المتوسط بحوالي 10 سنوات.
الكوليسترول مادة ضرورية للجسم، لكن ارتفاع مستوياته في الدم هو القاتل الخفي. يترسب الفائض داخل جدران الشرايين، مسبباً تصلبها وضيقها، وهي العملية الأساسية المسببة للجلطات والنوبات القلبية. يتطلب الحفاظ على مستويات صحية الانتباه إلى النظام الغذائي، وتقليل الدهون المشبعة، وزيادة الألياف، مع المتابعة الدورية مع الطبيب الذي قد يوصي بعلاجات دوائية إذا لزم الأمر.
يُعرف ارتفاع ضغط الدم بـ “القاتل الصامت” لأنه نادراً ما يصاحبه أعراض واضحة، بينما يساهم في أكثر من نصف حالات السكتة الدماغية عالمياً. بمرور الوقت، يدمر هذا الارتفاع الأوعية الدموية المغذية للقلب والدماغ والكليتين. وليس ارتفاع الضغط حتمية مرتبطة بتقدم العمر، بل هو علامة على تطور الأمراض. تقليل الملح والأطعمة المصنعة، تجنب الإفراط في الكحول، إدارة الوزن، وممارسة الرياضة بانتظام، هي دروع واقية فعالة ضد هذا الخطر.
أصبحت السمنة، وخاصة تراكم الدهون في منطقة البطن، أزمة صحية عالمية وأحد أقوى عوامل الخطر للإصابة بداء السكري من النوع الثاني، الذي يضاعف بدوره خطر أمراض القلب بشكل كبير. يلحق ارتفاع السكر في الدم المزمن ضرراً مستمراً بجدران الشرايين. لذا، يعد التحكم في الوزن عبر نظام غذائي متوازن وممارسة النشاط البدني، خط الدفاع الأول ضد هذا الخطر المزدوج.
الرسالة التي يوجهها الخبراء هي رسالة أمل وتمكين. فصحة القلب ليست مسألة قدر محتوم، بل هي نتاج خيارات يومية. من خلال التركيز على هذه المحاور الأربعة البسيطة والواضحة – الإقلاع عن التدخين، إدارة الكوليسترول وضغط الدم، والتحكم في الوزن – يمكن لكل فرد أن يبني حصناً منيعاً يحمي قلبه، ويطيل عمره، ويحسن من جودة حياته، مبتعداً بذلك عن دائرة الخطر التي تسببها أمراض القلب والأوعية الدموية. الوقاية تبدأ بقرار، والقرار بين يديك الآن.

التعليقات مغلقة.