تمرد هادئ داخل الخارجية الألمانية.. دبلوماسيون شباب يطالبون بموقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل
جريدة أصوات
أصوات من الرباط
كشفت مجلة “دير شبيغل” عن ظاهرة غير مسبوقة داخل وزارة الخارجية الألمانية، حيث شكّل حوالي 130 دبلوماسيًا، معظمهم من الشباب، مجموعة داخلية تدعو إلى تبني نهج أكثر صرامة تجاه الحكومة الإسرائيلية.
وتحت شعار “مخالف مخلص”، تعبر هذه المجموعة عن استيائها من السياسة الألمانية الحالية تجاه إسرائيل، خاصة في ظل الوضع الإنساني المتفاقم في قطاع غزة. وأكد ناطق باسم الوزارة وجود هذه المجموعة، مشيرًا إلى خطط لعقد اجتماع مع وزير الخارجية يوهان فاديفول، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ. وتأتي هذه التحركات في وقت تزداد الدعوات داخل ألمانيا، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، لإعادة تقييم الموقف من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، قال إن بلاده “تدعم إسرائيل” ولذلك فهي لا تستطيع أن تلعب دور الوسيط بينها وبين حركة “حماس”. وفي مقابلة مع صحيفة “تسايت” الألمانية، ، أكد فادفول أن سياسة بلاده الداعمة لإسرائيل “لن تتغير”.
وأشار إلى أن على ألمانيا “التزام لا ينتهي تجاه الدولة اليهودية”، في محاولة لتبرير عدم توقيع ألمانيا على البيان المشترك الصادر، الاثنين، عن 25 دولة من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، والذي أدان تجويع إسرائيل للمدنيين في غزة وقتلهم وتهجيرهم.
احتجاج هادئ في أروقة الوزارة:
لكن المشهد في مقر الخارجية الألمانية في برلين يبدو بأنه يواجه تغييرات جذرية ليست كالمعتاد. فقد لاحظ الزوار في الأسابيع الأخيرة ظهور بطاقات بريدية وملصقات على أبواب المكاتب وفي مقصف الوزارة، تحمل صورًا لأنقاض غزة مع عبارات مثل: “أمام أعين العالم، يستمر القتل في غزة”. هذه البطاقات التي تنتمي لحملة منظمة “ميديكو إنترناشيونال”، تتهم الحكومة الألمانية بدعم سياسات إسرائيل التي تصفها بـ”الإبادة”، وتطالب بتحركات ملموسة بدلاً من “شعارات فارغة” حول حقوق الإنسان.
هذا الاحتجاج الداخلي، الذي يعد استثنائيًا في تاريخ الوزارة، يعكس حالة من التوتر العميق بين مبدأين أساسيين للسياسة الخارجية الألمانية: الدعم التقليدي لإسرائيل، الذي عززته المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، ووصفته بأنه “أمر أساسي ووظيفي للدولة الألمانية “، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. ومع استمرار الصراع في غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر، بدأ هذا التوازن يتعرض للاختبار.
تتكون المجموعة المعارضة بشكل رئيسي من دبلوماسيين شباب تتراوح أعمارهم بين 30 و40 عامًا، يشغلون مناصب مثل الملحقين والمراجعين. هؤلاء، الذين لا يشاركون عادة في اتخاذ القرارات الكبرى، يرون أن دعم إسرائيل لا يمكن أن يكون مبررًا لتجاهل انتهاكات القانون الدولي. يتواصل أعضاء المجموعة عبر قنوات دردشة داخلية، ويعقدون اجتماعات دورية لتنسيق مواقفهم. شعارهم “مخالف مخلص” يعبر عن رغبتهم في البقاء أوفياء لقيم الوزارة مع الدعوة إلى تغيير جذري في السياسة.
بعض الدبلوماسيين المتقاعدين، مثل مارتن كوبلر، يدعمون هذا التوجه، محذرين من أن ألمانيا أصبحت معزولة في الاتحاد الأوروبي بسبب موقفها الداعم لإسرائيل. ويؤكد كوبلر أن “مصلحة الدولة” لا ينبغي أن تتعارض مع الالتزام بالقانون الدولي.
يواجه وزير الخارجية يوهان فاديفول ضغوطًا متزايدة لتغيير المسار. ففي حين أعرب عن “قلقه البالغ” إزاء الوضع الإنساني في غزة خلال مكالمة مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، إلا أنه رفض حتى الآن فرض عقوبات أو وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. قرار ألمانيا بعدم الانضمام إلى بيان وقّعته 28 دولة، بما في ذلك 20 دولة من الاتحاد الأوروبي، يدعو إلى وقف الحرب في غزة، أثار استياءً داخليًا وفي البرلمان، حيث طالبت الكتلة الاشتراكية الديمقراطية بوقف تصدير الأسلحة.
داخل الحكومة، تظهر انقسامات واضحة. يدافع الاتحاد المسيحي، الذي ينتمي إليه فاديفول وميرتس، عن العلاقات الوثيقة مع إسرائيل، بينما يطالب الاشتراكيون الديمقراطيون بموقف أكثر صرامة. وفي الوزارة، تتزايد الدعوات لإنشاء “قناة معارضة” تتيح للدبلوماسيين التعبير عن آرائهم بحرية، على غرار النموذج الأمريكي.
مطالبات بفرض عقوبات على وزراء:
في يوليو 2025، وخلال جمعية عمومية للموظفين، تحدثت إحدى المراجعات نيابة عن المجموعة، مشيرة إلى المخاطر القانونية التي قد يواجهها الموظفون الحكوميون إذا استمرت ألمانيا في تصدير أسلحة تُستخدم في انتهاكات محتملة للقانون الدولي. استشهدت بتحذيرات الخبير القانوني كاي أمبوس، الذي أشار إلى إمكانية تحميل الموظفين مسؤولية جنائية عن “المساعدة” في جرائم حرب. تلقت كلمتها تصفيقًا، مما يعكس دعمًا متزايدًا داخل الوزارة.
من جهتها، دعت زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروغه، الحكومة الألمانية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد إسرائيل بسبب نهج الأخيرة في قطاع غزة.
وأبدت دروغه في تصريح لشبكة صحف “دويتشلاند” الألمانية الإعلامية، تأييدها لفرض عقوبات على الوزيرين الإسرائيليين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وقالت: “كلاهما يدعو علانية إلى العنف ضد المدنيين الفلسطينيين وإلى التهجير، ويدعم البناء غير القانوني للمستوطنات في الضفة الغربية. يتطلب هذا موقفا واضحا من الحكومة الألمانية”.
وكانت بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والنرويج فرضت عقوبات على وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن القومي بن غفير قبل شهرين تقريبا. وقبل أيام قليلة، أصبحت سلوفينيا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعلن أن الوزيرين غير مرغوب فيهما، ما يعني أنه لم يعد يسمح لهما بدخول البلاد.
كما طالبت دروغه بوقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل التي قد تستخدم في غزة، مناشدة الحكومة الألمانية التوقيع على إعلان 28 دولة يدعو إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة فورا، وقالت: “إذا كان المستشار فريدريش ميرتس جادا في كلامه، فعلى ألمانيا التوقيع على الإعلان”.
وكانت هناك أيضا دعوات من الحزب الاشتراكي الديمقراطي للانضمام إلى الإعلان. وبرر ميرتس، الذي يتزعم الحزب المسيحي الديمقراطي، عدم انضمام ألمانيا بوجود قرار صادر عن المجلس الأوروبي يحمل نفس المضمون.
ودافع الأمين العام للحزب الاشتراكي الديمقراطي، تيم كلوزندورف، عن موقف حزبه، وقال في تصريحات لمحطة فيلت تي في: “انتقد الحزب الاشتراكي الديمقراطي تصرفات إسرائيل في قطاع غزة لأشهر عديدة، لأننا ببساطة نرى أن السكان المدنيين يتضررون بشدة من هذا العمل الحربي لدرجة أننا لم نعد قادرين على دعمه”.
وأوضح كلوزندورف أن هذه الانتقادات لم تكن مؤثرة، وقال: “لهذا السبب أعتقد أنه إذا وقّعت دول مثل فرنسا أو بريطانيا مثل هذا الإعلان، فعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا لم توقعه ألمانيا؟ لأنه يجب علينا جميعا أن نهتم بإنهاء هذه المعاناة”، مؤكدا ضرورة احترام القانون الدولي في قطاع غزة، وقال: “من وجهة نظرنا، الحرب الآن تنتهك هذا القانون”.

التعليقات مغلقة.