بين الإثارة و التعنت، “الحلزون العنيد” يواصل “نضاله” خبط عشواء
مصطفى محمد حابس: جنيف سويسرا
أذاعت قناة الوطنية بتاريخ يوم 28-7-2025 في حصة “مسارات” حوارا مطولا مع الروائي الجزائري رشيد بوجدرة، جاء فيه على الخصوص أن المفكر الكبير ابن نبي “رجعي”، وأن بن نبي كان سلبيا بالمعنى الديني، وأنه كان مع الإسلام المادي (!) وأن له منظور ضيق للإسلام (!!) و غيرها، و كانت تلك الكلمات الاستفزازية كافية لإضرام النار في شبكات التواصل الاجتماعي العربية و الأوروبية، بين مكفر و شاتم و مدافع و ..
و قد رغب منا أحد الافاضل من بريطانيا في ذات اليوم، أن نكتب شيئا في الموضوع حول هذه ” هوشة”، لنشرها في جريدة ” رأي اليوم” ليترجمها هو بالفرنسية أو الإنجليزية لجاليتنا في أوروبا، وقد حاولنا تلبية رغبته بما فتح الله علينا، و كتبنا له كلمة مقتضبة ، بعنوان: (سجال مع “الحلزون العنيد”، بين نشوة التكريم و آداب التربية) ، مؤكدين أن تكريم المثقف أو الكاتب في كل دول العالم أمر محمود و مرغوب، و قلنا أن هناك ثوابت وضعناها تحت العنوان الفرعي التالي : .. وتبقى التربية و التعليم قضية مجتمع ومستقبل أمة !!
و في نفس السياق جاء في جريدة الشروق هذا الأسبوع، ما كتبه أستاذنا الكبير سي الهادي الحسني بعنوان “مالك بن نبي “تقدميٌّ” أم “رجـعي “..؟” ، ردا على تصريحات الروائي بوجدرة بشكل حاد لم نألفه منه مع أبناء وطنه، لكن الذي أستوقفني في مقال أستاذنا الشيخ الحسني أنه وضع رشيد بوجدرة و الروائي الطاهر وطار في نفس الكفة علما أنهما من أصول متقاربة و من مواليد نفس الجهة بالشرق الجزائر و كاتب هذه السطور يعرف معرفة شخصية عائلاتهما المسلمة ومواقفهم منهما، لا علينا، أما وضعهما في خانة واحدة فهذا غير صحيح، وهي قسمة ضيزى، مما جعل بعض المعلقين في المواقع الجزائرية قولهم، أن الرجلان ملحدان و لا يجوز البتة حتى الترحم عليهما!!
مواقف الطاهر وطار منذ تسعينات القرن الماضي ..
وهذا أمر خطير يحتاج الى توضيح، إذ كتب أحدهم، تحديدا :” أن الطاهر وطار – رحمه الله – حسن إسلامه منذ تسعينات القرن الماضي، وهو كاتب و روائي كبير، فيه و عليه، بل يأخذ منه و يرد عليه الكثير، لكنه في أواخر حياته، كانت له مواقف و بطولات مع الحق و أهل الحق كتبها بالفرنسية في جريدة ” الجزائر الاحداث” لمن أراد الرجوع اليها، في تسعينات القرن الماضي، مواقف أغضبت الطابور الخامس والسادس، في فرنسا وأذنابهم عندنا، حتى أن بعض الذين يزعمون أنهم يقودون أحزاب إسلامية أيامها، ما استطاعوا أن يبلغوا عشر مواقف وطار دفاعا عن الاسلام والعربية في الجزائر، فنعتوه بالعروبي والبعثي، واشاعات اخرى معروفة كدعمه للإرهاب مع تحريض بعضهم للسلطة لغلق مقر جمعية ” الجاحظية”، التي كانت تدار فيها ندوات عامة و خاصة منها حتى على ملفات ساخنة أيامها، كحقوق الانسان” .. فكان يرد في الإعلام الصاع صاعين عملا بالقاعدة ” وتلك الايام نداولها بين الناس”.. رحمه الله، حسب صاحب التعليق.
الطاهر وطار من تلاميذ جمعية العلماء و الزيتونة ومن مؤسسي إذاعة القرآن الكريم:
وعلق آخر بقوله :” وطار رحمه الله، لم يكن ملحدا وكان له الفضل في تأسيس إذاعة القرآن الكريم!!”، بعدها سرد أحد الأساتذة، تعليقا على مقال أستاذنا الهادي الحسني، السيرة الذاتية للمرحوم الطاهر وطار، هذه بعض قطوفها:
“ولد الطاهر وطار يوم 15 أوت 1936 في منطقة “عين الصنب” الواقعة ببلدية سافل الويدان / سدراتة بولاية سوق أهراس، 500 كيلومتر شرقي الجزائر العاصمة..
تلقى تعليمه الأول بمدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان من تلاميذها النجباء، قبل أن ينتقل إلى تونس ويدرس بجامع الزيتونة.
اشتغل وطار منذ خمسينيات القرن الماضي في حقل الصحافة، حيث أسّس عدة جرائد ومجلات، بالتزامن، تفنّن وطار في الكتابة، فأنجز مسرحيتي: “على الضفة الأخرى” و”الهارب”، إضافة إلى قصة “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” التي استلهمها امحمد بن قطاف وأخرجها زياني شريف عياد للمسرح الوطني الجزائري عام 1987
الطاهر وطار أثرى المكتبة الأدبية على طريقته باللغتين
المرحوم كاتب و روائي منتج و مفرخ، أثرى المكتبة الأدبية باللغتين، قد نقبل بعضها من منظور إسلامي او لا، و قد نرفض غيرها من منطلقات ما، لكنه عند أنصاره و محبي أسلوبه و قلمه، الروائي الطاهر وطار مبدع لعشرات الروايات على مدار أكثر من نصف قرن، وتمت ترجمة أعماله إلى عشر لغات أجنبية، أو تزيد مثل: دخان من قلبي (1961)، رمانة (1971)، الطعنات (1971)، اللاز (1974)، الزلزال (1974)، الحوّات والقصر (1978)، العشق والموت في الزمن الحراشي (1982)، عرس بغل (1983)، تجربة في العشق (1989)، الشمعة والدهاليز (1995)، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي (1999)، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء (2005)، إضافة إلى مذكراته “أراه…الحزب وحيد الخلية”، وهو مؤلف أثار الكثير من الضجيج، إضافة إلى ترجمته ديوان “الربيع الأزرق” للشاعر الفرنسي “فرنسيس كومب” (1986).
أنشأ وطار في تسعينات القرن الماضي جمعية “الجاحظية الثقافية” التي عُدّت على الدوام مقرا للمبدعين و الكتاب وقبلتهم المفضّلة، وكانت آخر سنوات وطار مسكا، إذ حفلت بالمنجزات، حيث نال جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية عام 2005، قبل أن يفوز بجائزة الرواية لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية لـ 2009، حيث أبان وطار عن قدرة تجريبية هائلة مزجت الأصالة بالواقع الاجتماعي، ناهيك عن جرأته في بناء الشخصيات والأحداث في معالجة قضايا محلية وبيئية بلغة متطورة ..
واشتهر وطار أيضا بنضاله ودفاعه المستميت عن لغة الضاد، لغة الوحي الإلاهي، كما رفض التخندق خلف المحلية، لذا حرص على كسر حواجز الجغرافيا والقراءات المبتورة للتاريخ، وظلّ “الولي الطاهر” حريصاً على تفعيل النقاش العام حول القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية، رافعاً شعاره المتميز: “لا إكراه في الرأي”..
ورغم معاناته من المرض وملازمته الفراش بالجزائر وفرنسا منذ عام 2009، إلا أنّ وطار حرص على إبقاء إبداعه حيا إلى آخر لحظات حياته، حيث أنجز روايته الأخيرة “قصيد في التذلل” (2010) التي عُدّت علامة فارقة في مسيرة الطاهر وطار الحافلة بالأعمال.”.
رحل وطار بعد مرض عُضال عصر يوم 12 أوت 2010 بالعاصمة، رحمه الله.
بوجدرة، بعد عقودٍ من الكتابة بالفرنسية، يطلق لغة فولتير و يتمسك بلغة سيبويه
أما الروائي رشيد بوجدرة، وهو على عتبة 84 عامًا من عمره، وستة عقودٍ من الكتابة، منها 3 عقود الأخيرة، طلق فيها الفرنسية و حافظ على الكتابة بالعربية، علما أنه يتقن اللغتين، بل له شعبية غربية واسعة في الفضاءات المفرنسة في العالم. وهذا يكفيه فخرا بين أقرانه، و أبناء جيله الذين بلعتهم العجمة الافرنجية، وفي تعريف مقتضب بمعلمه، يقول أحد تلاميذه، أن رشيد بوجدرة، وهو المولود في مدينة عين البيضاء بأم البواقي شرق الجزائر (05 سبتمبر 1941م): إنه ليس راضيًا على ما أبدع، وإنه مسكونٌ إلى الأبد بطفولتهِ، جرحُه العائلي والرّمزي، ومنبع إبداعاته، متمسّكًا رغم هذا العمر الطويل بنوافذ الحلم المشرعة، بالشغف ذاته للكتابة والمشاكسة، للرسم في وقتِ المحنة، والتجوال في الذاكرة عبر المدنِ الجزائرية وبخاصّة مدينة قسنطينة مدينةُ الصّبا.”
أما كاتب هذه السطور، فقد عرف شخصيا في العاصمة إبن شقيق بوجدرة الذي كان ملتزما معنا في المسجد و يكره عمه كرها شديدا، بل أنه في تسعينات القرن الماضي كان كثيرا ما يدعو على عمه، و كان أخر مديرا في الخطوط الجوية الجزائرية، نسيت اسمه…
بين الإثارة والتعنت، “الحلزون العنيد” يواصل معاركه حلى على رفاقه !
أما عثمان تزغارت، الكاتب والاعلامي الجزائري المعروف، والذي نشر حوارا مطولا مهما مع الروائي بوجدرة، في مثل هذا الوقت منذ سنوات، و تحديدا يوم الثامن من شهر أوت 2017، قوله ، ” رغم كبر سن «الحلزون العنيد»، رشيد بوجدرة، لم يفقد شيئاً من عناده وعنفوانه. فضلاً عن إسهاماته الأدبية الضخمة، التي تضاهي 35 مؤلفاً في الرواية والشعر والمسرح والسيناريو السينمائي، يعدّ صاحب «التطليق» (منشورات «دونويل» ـ باريس ـ 1969) مثقفاً صدامياً وإشكالياً بامتياز، يشتهر بمواقفه وتصريحاته النارية، التي لا يكفّ من خلالها عن إضرام الحرائق وإثارة المعارك الثقافية والسجالات الفكرية والسياسية” ، على حد قوله.
مبينا أن ” بعض الناس يرون في رشيد بوجدرة محارباً دونكيشوتياً يقارع طواحين الهواء، بحثاً عن بطولة وهمية أو شهرة زائفة. بينما يراه البعض الآخر بطلاً سيزيفياً يصرّ على الإمساك بجمرة الحقيقة، مهما كانت حارقة، ولا يكلّ عن رشق المستنقعات الآسنة، التي تتخبط فيها الحياة الثقافية والسياسية لبلاده بحصى النقد، أملاً في إيقاظ الضمائر والتأسيس لـ «وعي ثوري متجدد».. لكن صاحب «فوضى الأشياء» (منشورات «بوشان» – الجزائر – 1991) سرعان ما عاد لتوجيه سهامه الحارقة إلى عدد من أقرانه الكتاب. وإذا بأصدقائه ومؤيديه ينفضّون عنه، ليجد نفسه في مرمى النيران، التي انفتحت عليه مجدداً من كل الجهات. ووصل الأمر بعدد من المثقفين الجزائريين إلى كتابة مقالة غريبة النبرة، بعنوان: «أما آن لرشيد بوجدرة أن يصمت؟»!
و لما أستفسر معه عثمان تازغارت، في حواره، قائلا له :
لما اندلعت حملة شرسة ضدك بسبب مجاهرتك بالإلحاد. لكنّ كثيرين ممن تضامنوا معك، دفاعاً عن مبدأ حرية المعتقد، فوجئوا بك تتراجع بعدها بأسابيع، خلال تكريمك في «مهرجان وهران السينمائي»، وتتنكر لما قلته، مؤكداً أنك مسلم ولست ملحداً. كيف تفسر ذلك التراجع؟
رد عليه الروائي بوجدرة قائلا:
” لقد تعوّدت على الهجمات التكفيرية منذ الستينيات. لكن الغريب في تلك الحملة أنها قامت على مغالطة. لم أقل في ذلك البرنامج التلفزيوني إنني ملحد. لم أقل ذلك إطلاقاً. تحدثت عن الحق في الإلحاد، وضرورة احترام الإلحاد لا بوصفه أمراً يندرج ضمن حرية المعتقد فحسب، بل أيضاً كونه مفهوماً فكرياً يجب النظر إليه كقيمة فلسفية لا ككفر. ذلك ما قلته، ولم أتحدث عن كوني أنا شخصياً ملحد. هذه القضية شخصية، ولا تخص سواي. أنا لا أتحدث عن إلحادي، لأنني احترم مشاعر الجزائريين، ولا أريد أن أصدمهم. هذا الشعب طيب الى أبعد الحدود. والشارع الجزائري غمرني بحبه وتعاطفه خلال هذه الحملات التكفيرية. لم يسبق أن أحسستُ بحب الناس لي كما أحسست به خلال محنتي الأخيرة مع «قناة النهار». الشعب الجزائري يحب الإنسان الصادق، ولو اختلف معه في الرأي. منذ واقعة «النهار»، أينما حللت، الناس يلتفون حولي، ويسلمون علي، ويقولون لي: نحن معك. هذا الشعب لا أستطيع سوى أن أبادله الحب، وأن أعامله بالقدر ذاته من الطيبة. وذلك يبدأ باحترام مشاعره ومراعاة معتقداته.
و لما سأله عثمان تازغارت ثانية ، قائلا له :
ما حاجتك لأن تقوم، خلال تكريمك في وهران، بإشهار إسلامك. ربما كان يكفي أن تقول إنك لم تجاهر بالإلحاد، وأنك تحترم مشاعر المؤمنين، من دون أن يصل بك الأمر الى الحديث عن إسلامك والقول بأنك مؤمن، بعد أن كنت تقول العكس طوال عقود؟
ليرد عليه الروائي بوجدرة، أنه يعتبر نفسه مسلما “ونصف”، قائلا:
” لا، لا. أنا تحدثت عن الإسلام، لا عن الإيمان.
بالطبع أنا مسلم ثقافياً. هل تشك في ذلك؟ هذا انتماء حضاري، وهو جزء من هويتي وثقافتي وفكري. دعني أقول لك صراحة: الذين يروّجون بأنني تراجعتُ واعتذرتُ وقلتُ أنني مؤمن، هم بعض الجبناء الذين يحترفون «القوادة الثقافية». هؤلاء لم يتخذوا موقفاً واحداً طوال حياتهم، ثم يتبجحون بالمزايدة على كاتب ومناضل تقدمي وماركسي مثلي محكوم عليه بالإعدام 8 مرات من قبل المتطرفين الإسلامويين. منذ 52 سنة، وأنا أكتب وأناضل دفاعاً عن أفكاري. لم أخفْ يوماً من التعبير عن أفكاري، حتى في أحلك الفترات..أما أن أظهر على التلفزيون لأستفز مشاعر شعبي بالقول إنني ملحد، فذلك ما لا أريده”، مستطردا بقوله “لقد كنت أدافع دوماً عن الحضارة الإسلامية، لأنني أؤمن بأن الفلسفة الإسلامية والعلوم الإسلامية شكلت روافد عظيمة في الثقافة الإنسانية، وقدمت خدمات جليلة لتاريخ البشرية. من هذه الناحية، أعتبر نفسي مسلماً. نعم، مسلم ونص، كما قلت في وهران. بل إنني أكثر إسلاماً من هؤلاء الاسلاميين الذين يتخذون من الدين مطية لخداع الناس والتلاعب بعقولهم لأغراض سياسية. أؤمن بأن الحضارة الإسلامية حضارة عظيمة، واعتبر القرآن الكريم كتاباً عظيماً ومبهراً. أما مسألة الإيمان والمعتقد الديني ووجود دين واحد أو إله واحد، فتلك قضايا فلسفية قابلة للنقاش. ومعتقداتي الشخصية في هذا الشأن لا تخص أحداً غيري، ولا يحق لأي كان أن يسائلني بشأنها”.
وعن سؤال آخر،
كيف تفسر الموقف العدائي تجاهك في الإعلام الفرنسي، رغم عودتك للكتابة بلغة موليير؟
رد بوجدرة، ما نصه :
” إنه عداء سياسي وليس أدبياً، الإعلام الفرنسي لا يهاجم أعمالي الأدبية بل مواقفي السياسية. يعادونني لأنني لا أداهن الغرب، وأعارض مواقفه من الأزمة السورية، وقبلها من الاحتلال الأميركي للعراق. هاجموني في فرنسا بسبب موقفي النقدي لما أسمي بـ «الربيع العربي». لكن الغرب الآن بدأ يعترف بخطئه، ويقر بالفشل الذريع الذي مني به هذا الربيع المزعوم. كما أن الكثير من وسائل الإعلام الفرنسية تعاديني لأنني شيوعي ومتمسك بماركسيتي. أتذكر، حين كنتُ أنشر رواياتي عند منشورات «دونويل»، كانوا ينصحونني بتفادي المجاهرة بماركسيتي، لأن ذلك لا يوافق هوى الاستبلشمنت الإعلامي والثقافي المهمين. لكنني كنت أتمادى، لاعناً أمهاتهم في كل مناسبة. لم أهتم يوماً بما يكتبه عني الإعلام الفرنسي. لدي قرائي ومحبو أدبي، ولم أحتج يوماً لمداهنة الاستبلشمنت الثقافي الفرنسي أو المراهنة عليه من أجل الترويج لرواياتي.
حول القضية الفلسطينية ودفاعه عنها،
و عن سؤال لبوجدرة جاء فيه:
لا شك في أن الموقف الجذري المناصر للقضية الفلسطينية، الذي تتبناه منذ أن نشرت «يوميات فلسطينية» عام 1972، أسهم أيضاً في تأليب الاستبلشمنت الثقافي الفرنسي ضدك؟
رد بوجدرة، ما نصه :
نعم، بكل تأكيد. لكن ذلك لم يثنني عن الدفاع باستمرار عن القضية الفلسطينية. أنا لا أتملق الغرب، ولا أخافه. لا أنظر إليه بانبهار ساذج، كما يفعل بعض مثقفينا الجدد الممجدين للهيمنة الغربية، على غرار بوعلام صنصال أو كمال داوود. بوعلام صنصال وصلت به الصفاقة إلى حد اتهام جيش التحرير الجزائري بالنازية في روايته «قرية الألماني»! هل هذا معقول؟ الجيش الذي قاد الثورة الجزائرية لم يكن على رأسه ضباط نازيون على الإطلاق، بل كان أغلبهم يساريين. هل يجهل صلصال أن اليسار هو الخصم التاريخي الأبرز للنازية؟ وماذا نقول عن كمال داوود، الذي تبجح في أحد البرامج التلفزيونية الفرنسية بأن القضية الفلسطينية لا تعنيه، وأن ما يحدث في غزة ليس مشكلته! هؤلاء الكُتّاب من يروّج لهم ويلمّع صورهم؟ إنه، بالطبع، برنار هنري ليفي وزمرة الصهاينة المحطية به. هؤلاء هم من يسوّقون أعمال صنصال وداوود وغيرهما من المثقفين الممسوخين المتملقين للغرب. انتهيتُ أخيراً من تأليف كتاب سجالي، بعنوان «مهربو التاريخ»، يفضح خمسة من هؤلاء الكتاب الجزائريين المنسلخين عن هويتهم، سيصدر هذا الكتاب، في تشرين الاول (أكتوبر) المقبل، عن منشورات «فرانز فانون» في الجزائر. لا يجب أن نترك المجال لهؤلاء كي يزوروا تاريخ الجزائر، تملقاً لأسيادهم الجدد، من خلال الترويج بأن «الأقدام السود» من المعمرين الأوروبيين الذين استوطنوا الجزائر كانوا يعيشون بتآخ مع الأهالي، خلال الفترة الاستعمارية. من «الأقدام السود» من كانت لهم مواقف مشرفة ومؤيدة للثورة الجزائرية، وخاصة اليساريين منهم. وهؤلاء لا ننكر مواقفهم وتضحياتهم. وهناك معالم بارزة في الجزائر اليوم تحمل أسماءهم، كساحة موريس أودان أو مستشفى مايو. لكن غالبية المعمّرين كانوا إقطاعيين ومستبدين وأعداء للشعب الجزائري. التآخي بينهم وبين الجزائريين لا وجود له سوى في المخيّلات المريضة لبوعلام صنصال وياسمينة خضرا ومن معهم من الكُتّاب التلفيقيين. أذكر، حين كنت طفلاً في قسنطينية، كنت أتجول مع والدي، وأقرأ يافطات معلقة على واجهات بعض المحلات مكتوب عليها: ممنوع على الكلاب والعرب! وإذا بكُتّاب جزائريين يأتون اليوم للتباكي على التآخي الذي كان قائماً بين «الأقدام السود» والجزائريين. تبّاً لهم!

التعليقات مغلقة.