أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إدريس جماع.. شاعر الجمال الذي انتصر له الشعر وهزمته قسوة الحياة

أصوات من الرباط

أصوات من الرباط

 

يُعد الشاعر السوداني إدريس محمد جماع (1922 – 1980) واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي بصمت الوجدان العربي في العصر الحديث، على الرغم من قصر تجربته ومعاناته الطويلة مع المرض النفسي. فقد عاش حياةً متقلبة، بين موهبة متدفقة لا تُجارى وذهنٍ أنهكه المرض، ليبقى شعره شاهداً على عبقرية استثنائية، تستمد جمالها من رهافة الحس وصدق الشعور.

شاعر يولد من بين أنفاس الخرطوم:

وُلد إدريس جماع بمدينة حلفاية الملوك شمال الخرطوم، وتلقى تعليمه في السودان ومصر حيث التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة. هناك انفتح على التجارب الشعرية العربية الحديثة، وتجلّت موهبته في كتابة القصيدة العمودية بروح متجددة تجمع بين الكلاسيكية ورومانسية المدرسة الجديدة.

عرفت أشعاره بصفائها اللغوي وشفافية صورها، حيث كان يرى في الجمال ملاذاً من آلامه النفسية. حتى أن النقاد وصفوه بـ”شاعر الجمال”، إذ لم يترك مشهداً جميلاً دون أن يرصده، سواء في الطبيعة أو في العيون أو في المعنى الإنساني للحب.

 

المرض يطرق باب الشاعر

في سنواته الأخيرة، عانى إدريس جماع من اضطراب نفسي أدخله مستشفى الأمراض العقلية بالخرطوم، قبل أن يسافر للعلاج في لندن. لكن المرض لم يُطفئ جذوة الشعر بداخله، بل كان يزيد من رهافة إحساسه، حيث ظل يُبدع أبياتاً تُدهش الأطباء والرفاق على حد سواء.

من المواقف التي حفظها التاريخ ما جرى في مطار الخرطوم حين أطال النظر إلى سيدة جميلة، فأنشد أمام زوجها قصيدته الشهيرة:

 أعَلى الجمال تغار منّا
ماذا علينا إذا نظرنا
هي نظرة تُنسي الوقارَ
وتُسعد الروح المُعنّى
دنيــاي أنتِ وفرحتي
ومُنى الفؤاد إذا تمنّى
أنتِ السماءُ بدت لنا
واستعصمتْ بالبعد عنّا

قصيدة جعلت عباس محمود العقاد، الأديب والناقد الكبير، يقول: “هذا مكانه، فمثل هذا الكلام لا يقدر عليه ذوو الفكر العادي.”

حين أبكى عيون الممرضة:

وفي لندن، أُعجب بعيون ممرضته، فأُمرت بارتداء نظارة سوداء حتى لا يطيل النظر إليها. لكن الشاعر لم يتوقف عن التعبير، فأنشد:

والسيف في الغمد لا تُخشى مضاربه
وسيف عينيك في الحالين بتّارُ

وحين تُرجمت الأبيات للممرضة، لم تتمالك دموعها، في مشهد يُجسّد كيف أن الشعر يعبر الحواجز اللغوية والثقافية، ويصل مباشرة إلى القلب.

قصيدة العمر: حظي كدقيقٍ فوق شوك:

ورغم أن ديوان الشاعر الوحيد “لحظات باقية” ضم أجمل ما كتب، إلا أن قصيدته الأشهر بقيت تلك التي تختزل إحساسه العميق بالخذلان، وتلخص تجربته الإنسانية:

 إن حظي كدَقيقٍ فوقَ شوكٍ نثروه
ثم قالوا لِحُفاةٍ يومَ ريحٍ اجمعوه
عَظُم الأمرُ عليهم ثم قالوا اتركوه
إن من أشقاهُ ربي كيف أنتم تُسعدوه

قصيدة تُعد وثيقة شعرية تختصر رحلة شاعرٍ عاش بين الحلم والانكسار، بين نور العبقرية وظلام المرض.

إرث باقٍ رغم الغياب:

رحل إدريس جماع في صمت عام 1980، لكن قصائده ما زالت حيّة، تتناقلها الأجيال وتُتلى في المحافل الثقافية السودانية والعربية. بقي شاعر الجمال رمزاً للحس المرهف، وصوتاً يُذكّر بأن الشعر يظل أقوى من الألم، وأبقى من المرض، وأجمل من كل ما يعتري الإنسان من محن.

التعليقات مغلقة.