أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“شاحنات التهريب تعبر الحدود من جديد”

أصوات من الرباط

أصوات من الرباط

يعيد ملف تهريب المخدرات عبر شاحنات النقل الدولي للبضائع طرح نفسه بقوة على الساحة، بعد أن تمكنت مصالح الأمن الوطني بميناء طنجة المتوسط، نهاية الأسبوع المنصرم، من إحباط عملية تهريب كمية مهمة من مخدر الكوكايين الخام، بلغت 33 كيلوغراماً، كانت مخبأة بعناية داخل حاوية مخصصة لنقل البضائع في اتجاه أوروبا.

ورغم أن الكمية المحجوزة تُعتبر محدودة نسبياً مقارنة بعمليات سابقة، إلا أن دلالاتها الأمنية والقضائية تظل كبيرة، خاصة في ما يتعلق بتحديد المسؤوليات بين السائقين وأرباب شركات النقل الدولي. فكلما تم ضبط شحنة من هذا النوع، عاد الجدل حول “العلاقة الملتبسة” بين المهربين وبعض الفاعلين في قطاع النقل، في ظل تكرار حالات مماثلة خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب مصادر مطلعة من داخل ميناء طنجة المتوسط، فإن التحقيقات التي تباشرها السلطات الأمنية والقضائية تركز بالأساس على الاعترافات الأولية للسائقين الموقوفين، باعتبارها نقطة الانطلاق لتفكيك خيوط مثل هذه القضايا. وغالباً ما تكشف أقوال المشتبه فيهم عن معطيات دقيقة تحدد مستوى تورط كل طرف، سواء أكان فرداً أم مؤسسة.

المصدر ذاته أشار إلى أن مسؤولية الشركات لا تُستبعد بشكل آلي، خصوصاً عندما تثبت التحقيقات أن المخدرات كانت مخبأة في أماكن تتطلب تعديلات تقنية متقدمة، مثل الخزانات أو هياكل الشاحنات، وهي عمليات لا يمكن تنفيذها دون علم أو تواطؤ محتمل من الجهة المالكة للشاحنة. أما في الحالات التي تُضبط فيها المخدرات ضمن الأغراض الشخصية للسائق، أو داخل مقصورة القيادة، فإن المتابعة القضائية تستهدف السائق وحده.

من جهته، عبّر عامر زغينو، رئيس الجمعية المغربية للنقل الطرقي عبر القارات (AMTRI)، عن استياء مهنيي القطاع من استمرار حجز الشاحنات رغم تقديم السائقين اعترافات صريحة بتحملهم المسؤولية الكاملة. وقال زغينو في تصريح صحفي إن “السؤال الجوهري هو: إذا كان السائق قد أقر بضلوعه في التهريب دون علم الشركة، فلماذا يتم حجز الشاحنة ومعاقبة المشغل؟”، معتبراً أن هذه الإجراءات تُكبّد الشركات خسائر مادية جسيمة، وتُسيء لسمعتها في السوق الدولية دون وجود أدلة مباشرة على تورطها.

وأوضح زغينو أن بعض عمليات التهريب تُنفذ بسرعة كبيرة، بحيث لا تتطلب أكثر من دقائق معدودة لإخفاء شحنة صغيرة لا تتعدى خمسة كيلوغرامات، ما يجعل من الصعب اكتشافها قبل مغادرة الشاحنة للتراب الوطني. لكنه أقر في الوقت ذاته بأن بعض الشحنات تتطلب تعديلات معقدة على هيكل الشاحنة، وهي مؤشرات قوية على وجود جهة منظمة تقف خلف العملية، ولا يُستبعد أن يكون صاحب الشركة على علم بها أو مشاركاً فيها.

وفي تحليله لأسباب هذه الظاهرة المتكررة، أرجع رئيس الجمعية الأمر إلى جشع بعض السائقين ورغبتهم في تحقيق مكاسب سريعة من خلال الانخراط في شبكات التهريب، معتبراً أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً في تسهيل استقطابهم. كما كشف عن حالات سابقة تم فيها إخفاء المخدرات داخل السلع الموجهة للتصدير، مثل الأسماك المجمدة أو المواد الغذائية، وهي عمليات يصعب على شركات النقل اكتشافها لافتقارها إلى وسائل تقنية متطورة للفحص الدقيق.

وأمام هذه المعطيات، تتزايد المطالب بضرورة تعزيز آليات التنسيق والتعاون بين السلطات الأمنية وشركات النقل الدولي، والعمل على تطوير أدوات المراقبة والتفتيش داخل الموانئ، بهدف التصدي لظاهرة تهريب المخدرات، التي لا تقتصر مخاطرها على الجانب الأمني فقط، بل تهدد أيضاً صورة ومصداقية الصادرات المغربية في الخارج، وتُربك عمل مقاولات النقل التي تشتغل ضمن إطار قانوني وتحترم الضوابط التنظيمية.

ويرى متابعون أن استمرار مثل هذه الوقائع يُلزم الدولة، عبر الجهات المختصة، بوضع بروتوكول واضح لتحديد المسؤوليات، وضمان عدم الإضرار بالمهنيين الذين يلتزمون بالقانون، مع تشديد العقوبات على المتورطين الفعليين.

التعليقات مغلقة.