أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

عبودية بلا قيود

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

حين قال الفيلسوف الروماني سينيكا جملته الشهيرة: “ولا توجد عبودية أكثر خِزيًا من تلك التي يفرضها الإنسان على نفسه”، لم يكن يبالغ. لقد أصاب لبّ الحقيقة التي ما تزال تُطلّ بوجهها في واقعنا اليوم، رغم مرور قرون على رحيل حكماء الفكر.

الإنسان لا يُستعبد دائمًا بالقوة أو السلاسل، بل كثيرًا ما يُكبّل ذاته بيده.
يستسلم للخوف فيصبح عبدا له، يخشى المحاولة حتى قبل أن يفشل، فيُسجن خلف قضبان صنعها عقله.
وقد يستعبد نفسه للشهوات والرغبات العابرة، فيطارد لذّة زائلة بينما تتآكل روحه شيئًا فشيئًا.
وهناك من يستعبد نفسه لآراء الناس، ينتظر رضاهم ويهاب غضبهم، فيعيش حياته بعيون الآخرين لا بعيونه.

أليست هذه أشدّ أنواع العبودية؟
أن يمتلك الإنسان كامل القدرة على التحرر، لكنه يفضّل القيد!

كم من شاب تخلى عن طموحه لأنه أقنع نفسه بأنه “غير قادر”.
وكم من موظف بقي في وظيفة تُهدر كرامته لأنه اعتاد الاستسلام.
وكم من مبدع دفن موهبته لأنه خاف النقد وخشي ألسنة الناس.
وكم من امرأة أخفت صوتها وأحلامها وراء جدران صامتة خوفًا من مجتمع لا يرحم.

إنها أمثلة يومية لعبودية صامتة، لا تصنعها إمبراطوريات ولا يفرضها حكّام، بل تُولَد من الوهم، وتترعرع في ظل الخوف، وتتقوّى كلما تراجع الإنسان خطوة عن ذاته.

الحرية الحقيقية ليست في التخلص من القيود الخارجية فقط، بل في قدرة الإنسان على كسر القيود الداخلية التي تكبّله.
هي أن يستيقظ ليقول لنفسه:
“هذه حياتي… ولن أسمح لضعفي أن يقودها.”

قد نتعثّر حين نحاول التحرر، قد نسقط ونتألّم، لكن السقوط في طريق التحرر أشرف ألف مرّة من البقاء واقفين في حضرة العبودية الذاتية.

فالإنسان خُلق حرًّا…
والأسوأ أن يسلّم حريته طائعًا مختارًا.

فلنتذكّر جميعًا:
لا قيود أفتك مما نصنعه لأنفسنا… ولا حرية أنبل من تلك التي ننتزعها من داخلنا.

التعليقات مغلقة.