يسود توتر دائم بين أفغانستان وباكستان، يتجدد بين الحين والآخر، ويتحول غالباً إلى اشتباكات حدودية بين قوات البلدين الجارين تخلف سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، بالإضافة إلى الاتهامات المتبادلة. فما هو مصدر هذا الصراع التاريخي؟ ولماذا تحول إلى بؤرة توتر دائمة؟
تعود جذور الخلاف إلى الخط الحدودي الذي رسمه البريطانيون بين البلدين عام 1893، عندما كانت الإمبراطورية البريطانية تخوض صراعاً جيوسياسياً مع روسيا القيصرية في منطقة آسيا الوسطى. يُعرف هذا الخط الحدودي باسم “خط دوراند” نسبة إلى وزير خارجية الهند البريطانية آنذاك مورتمير دوراند.
شق هذا الخط مناطق قبائل البشتون وترك العائلات والقبائل موزعة على طرفي الحدود، مما خلق واقعاً ديموغرافياً معقداً لا يزال يؤثر على العلاقات بين البلدين حتى اليوم.
تبنى البلدان موقفين متعارضين جذرياً من هذا الخط الحدودي منذ تأسيس باكستان عام 1947:
باكستان تعتبر الخط حدوداً دولية معترفاً بها، كونها الوريث الشرعي لاتفاقيات البريطانيين.
لم تعترف أي حكومة أفغانية بهذا الخط، ورأت فيه “ندبة استعمارية” فُرضت على الجغرافيا والناس بالقوة.
شهدت العلاقات بين البلدين فصلاً جديداً من التوتر بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابل عام 2021، حيث زادت وتيرة هجمات حركة طالبان باكستان ضد الجيش الباكستاني. واتهمت إسلام آباد سلطات كابل الجديدة بمنح طالبان باكستان ملاذات آمنة في الأراضي الأفغانية، مما أشعل توتراً لاحقاً إلى اشتباكات المعابر الحكومية بين الجيشين الأفغاني والباكستاني.
وتصاعد التوتر بشكل ملحوظ مع قيام سلاح الجو الباكستاني في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2024 بتنفيذ ضربات متزامنة في كابل وخوست وجلال آباد وبكتيكا لاستهداف قادة في حركة طالبان باكستان، مما أسفر عن اندلاع اشتباكات حدودية واسعة أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف الجانبين.
في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قالت السلطات الأفغانية إن مقاتلات باكستانية شنت غارات على ولايات كونر وخوست وبكتيكا شرقي البلاد. وجاءت هذه الغارات بعد يوم واحد من هجوم انتحاري في مدينة بيشاور الباكستانية قُتل فيه عدد من أفراد الأمن، حيث اتهمت إسلام آباد حركة طالبان باكستان بالمسؤولية عنه.
ونجحت جهود دبلوماسية بذلتها أطراف عدة -على رأسها قطر وتركيا- في التوصل إلى اتفاق تهدئة بين الجارين، لكن هذا الاتفاق لم ينجح في إعادة الهدوء بشكل كامل في ظل تجدد الاشتباكات وإن بوتيرة أقل.
يعود الخلاف على الحدود إلى ما قبل تقسيم شبه القارة الهندية، حيث عارضت أفغانستان انضمام المناطق الحدودية إلى باكستان، بل إنها كانت الدولة الوحيدة التي صوتت ضد انضمام باكستان إلى الأمم المتحدة عام 1947.
وشهد البلدان مواجهات عسكرية متفرقة على مدار العقود الماضية، منها:
مواجهات 1949-1950: أولى الاشتباكات الحدودية بين البلدين.
أزمة 1960-1961: اشتباكات كبرى أدت إلى قيام الباكستانية بقصف القوات الأفغانية وقطع العلاقات الدبلوماسية استمرت الاشتباكات على فترات متباعدة حتى الوقت الحالي.
يبدو أن أزمة خط دوراند ستستمر كـ بؤرة توتر دائمة بين الجارين، فبينما تتمسك باكستان به كحدود دولية، ترفض أفغانستان الاعتراف به وترى فيه إرثاً استعمارياً يجب تصحيحه. وقد زاد من تعقيد الأزمة بروز حركات مسلحة تستفيد من هذا الخلاف، وتواصل التوتر حتى بعد وساطات دولية متعددة.
يظل خط دوراند شاهداً على كيف يمكن لاتفاقية استعمارية عمرها أكثر من قرن أن تواصل تشكيل واقع جيوسياسي معقد، وتؤجج صراعات دائمة بين دولتين جارتين تربط بينهما روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة.

التعليقات مغلقة.