تشهد محادثات السلام التي تهدف إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، التي تقترب من بدء عامها الرابع، تصعيداً دبلوماسياً ومعنويات متضاربة. بينما تقترح واشنطن خطة جديدة تتضمن ضمانات أمنية غير مسبوقة لأوكرانيا، تتجه الأطراف نحو قمة حاسمة في بروكسل تزامناً مع تحذيرات أمريكية بعقوبات جديدة على موسكو.
في ورشة المفاوضات الدائرة في برلين، قدمت الولايات المتحدة تعهداً هي الأكثر صرامة حتى الآن لدعم أوكرانيا، يتمثل في ضمانات أمنية “مماثلة للمادة الخامسة” من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الحلف بأكمله. هذه الضمانات تأتي مع تحذير ضمني بأنها “عرض محدود الوقت”، في محاولة لدفع كييف للموافقة على شروط السلام الأمريكي.
أعربت الوفود الأوكرانية والأوروبية، التي كانت قلقة من إجبار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لأوكرانيا على قبول شروط غير مواتية، عن “مفاجأة” إيجابية بحسب مسؤول أمريكي، إزاء صلابة هذه الضمانات وموافقة ترمب على أن يقرها الكونغرس الأمريكي، ما يجعلها أكثر استدامة مستقبلاً.
ورغم هذا التقدم، فإن العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق تبقى مستقبل الأراضي المحتلة. لا تزال روسيا مصرّة على رفض تقديم أي تنازلات بشأن مناطق دونباس وخيرسون وزابوروجيا، وشبه جزيرة القرم، التي ضمّتها في 2014. بينما يصر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن بلاده “لن تعترف بسيطرة موسكو على أي جزء من دونباس”، ويصف القضايا المتصلة بالأراضي بأنها معقدة وأن مواقف كييف وواشنطن بشأنها “لا تزال مختلفة”.
بشأن هذه النقطة، يعمل الوسيطون الأمريكيون على اقتراح حل وسط، حيث تمت مناقشة فكرة “منطقة اقتصادية حرة” في دونباس، مع التأكيد على أنها لن تكون تحت السيطرة الروسية. كما اقترحت خطة أمريكية مشتركة مع أوروبا تقضي ببناء جيش أوكراني قوي، ونشر قوات أوروبية في البلاد، وتوسيع نطاق عمل الاستخبارات الأمريكية لردع أي هجمات روسية مستقبلية. بيد أن موسكو صرّحت بأن أي نشر لقوات الناتو في أوكرانيا “غير مقبول تحت أي ظرف من الظروف”.
يأتي التطور الأخير وسط استعدادات لقمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل الخميس، والتي سيحضرها زيلينسكي شخصياً. يأمل الرئيس الأوكراني أن تُظهر القمة أن استمرار روسيا في الحرب “لا جدوى منه” لأن أوكرانيا ستتلقى الدعم المالي الكافي للدفاع عن نفسها، ويدعو شركاءه إلى اتخاذ قرارات سياسية ومالية “لوقف موسكو”.
وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يبلغ الجانب الأمريكي موسكو قريباً بنتائج محادثات برلين. المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف استبعد زيارة المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف لموسكو هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن روسيا تتوقع تحديثاً من الجانب الأمريكي بمجرد أن تكون المعلومات جاهزة.
في موازاة المسار التفاوضي، يلوح الحلفاء بسلاح عقوبات جديد ضد موسكو إذا ما فشلت الجهود. أشارت تقارير لوكالة “بلومبرغ” إلى أن الولايات المتحدة تستعد لفرض جولة جديدة من العقوبات تستهدف قطاع الطاقة الروسي، وبالتحديد ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، وهو أسطول من الناقلات المستخدمة لنقل النفط الروسي حول العقوبات الحالية. وربما يتم الإعلان عن هذه العقوبات هذا الأسبوع.
ورداً على ذلك، حذر الكرملين من أن فرض عقوبات أمريكية جديدة من شأنه “الإضرار بالتحسن في العلاقات مع واشنطن”. كما استبعد المتحدث الرئاسي الروسي أن تكون روسيا طرفاً في “أي حيل تستهدف كسب الوقت”، وأكد أن بلاده تريد “سلاماً شاملاً وليس هدنة مؤقتة”.
أظهر استطلاع حديث للمعهد الدولي لعلم الاجتماع في كييف أن ثلاثة أرباع الأوكرانيين (75%) يرفضون أي خطة سلام “تتضمن تنازل أوكرانيا عن أراضٍ أو وضع قيود على حجم جيشها” من دون الحصول على ضمانات أمنية واضحة. يضع هذا الاستطلاع زيلينسكي في موقف صعب، بين ضغوط لتوقيع اتفاق سريع وبين الحاجة لقبول أي اتفاق من قبل شعب مزقته الحرب.
رغم كل التحديات، أشار مسؤول أمريكي إلى أنه تم التوصل إلى توافق بشأن 90% من القضايا المدرجة في الخطة الأمريكية. وقد بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب متفائلاً، قائلاً: “أعتقد أننا أقرب الآن مما كنا عليه في أي وقت مضى، وسنرى ما يمكننا فعله”. بينما عبرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن رأي مماثل، مشيرة إلى أن المحادثات “تشهد تقدماً حقيقياً وملموساً”.

التعليقات مغلقة.