أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصحافة الإسبانية بين الإشادة بالمغرب والتوجسس

جريدة أصوات

حوّلت وسائل الإعلام الإسبانية، خلال الأسابيع الأخيرة، بوصلتها نحو المغرب بمناسبة احتضانه لبطولة كأس إفريقيا للأمم، في تغطية اتسمت بالإشادة الواسعة بالتنظيم المحكم والنجاح اللافت الذي حققته المملكة على مختلف المستويات. إجماع صحفي إسباني نادر اعترف بأن المغرب قدم نموذجًا متقدمًا في تدبير التظاهرات الرياضية القارية، مستثمرًا كرة القدم كأداة فعالة لتعزيز صورته الدولية.

وأبرزت الصحف والمواقع الإخبارية الإسبانية جودة البنية التحتية الرياضية التي وفرتها المملكة، من ملاعب حديثة بهندسة معمارية متطورة وطاقة استيعابية كبيرة، إلى جانب الجوانب التنظيمية المرتبطة بالأمن، وسلاسة التنقل، وحسن الاستقبال. كما نوهت بالاستقرار الأمني واحترام القوانين، والتعامل المتكافئ مع المغاربة والزوار على حد سواء، في إطار من المساواة واحترام الحريات، فضلاً عن الحضور القوي والمتواصل للمنتخب الوطني المغربي في جميع المباريات، ما زاد من زخم البطولة وقيمتها الجماهيرية.

تحول في النظرة الإعلامية التقليدية

هذا الخطاب الإعلامي الإيجابي لم يكن مألوفًا في السابق، إذ ظل حضور المغرب في الإعلام الإسباني، لسنوات طويلة، محصورًا في قضايا الهجرة أو الملفات الجيوسياسية. غير أن نجاح المملكة في احتضان كأس إفريقيا شكّل نقطة تحول واضحة، حيث فرضت الرياضة نفسها كمدخل جديد في تعاطي الصحافة الإسبانية مع المغرب، وأعادت رسم صورته كبلد منظم وقادر على إنجاح أكبر التظاهرات القارية.

لكن هذا التنويه لم يخلُ من حذر وتوجس. فبين سطور الإشادة، بدا أن بعض المنابر الإعلامية الإسبانية تنظر بقلق إلى هذا النجاح، وكأن المغرب بات ينافسها على الأضواء في الساحة الرياضية الدولية، خاصة في أفق تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وكشفت عناوين ومضامين عدد من المقالات الإسبانية عن ازدواجية لافتة: إعجاب صريح بالنجاح التنظيمي المغربي، يقابله قلق مبطن من صعود النفوذ المغربي إقليميًا ودوليًا. وذهبت بعض الأصوات الإعلامية إلى تصنيف كل نجاح رياضي مغربي ضمن خانة “القوة الناعمة”، معتبرة إياه نتيجة استراتيجية سياسية مدروسة لتلميع الصورة، بدل الاعتراف به كثمرة لمسار تنموي طويل وإرادة مجتمعية حقيقية.

غير أن هذا الطرح يغفل، وفق ما يستشف من الوقائع، حجم الاستثمارات الكبرى التي راكمها المغرب في المجالات الرياضية والاجتماعية والإدارية والتشريعية، على مدى سنوات، في إطار رؤية ملكية متبصرة راهنت على الرياضة كرافعة للتنمية الشاملة، وليس فقط كأداة للتواصل الخارجي.

ولم تُخفِ الصحافة الإسبانية هواجسها وهي تتحدث عن “إقلاع مغربي” لم يعد وليد اللحظة، بل نتاج تحولات اجتماعية عميقة يشهدها المجتمع المغربي منذ سنوات. ومع ذلك، ظلت بعض الصور النمطية حاضرة في الخلفية التحريرية، ما يعكس صعوبة التخلي الكامل عن تمثلات قديمة تجاه الجار الجنوبي.

ويُستشف من بين السطور وجود قلق تنافسي متزايد بسبب ريادة المغرب ونجاحاته المتتالية، سواء على مستوى التنظيم أو النتائج الرياضية، الأمر الذي جعله ينتقل من مجرد دولة جوار إلى ند حقيقي وشريك رياضي وتنظيمي قادر على النجاح وفرض نفسه كنقطة ارتكاز إفريقية ومتوسطية.

في المحصلة، لم يعد نجاح المغرب في تنظيم كأس إفريقيا حدثًا رياضيًا معزولًا، بل مؤشرًا على تحول أعمق في موقعه الإقليمي والدولي. وبين الإشادة والتوجس، يبدو أن الصحافة الإسبانية تعكس واقعًا جديدًا مفاده أن المغرب بات فاعلًا وازنًا في المشهد الرياضي العالمي، وشريكًا لا يمكن تجاوزه في الاستحقاقات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها مونديال 2030.

التعليقات مغلقة.