يشكل الحمام التقليدي جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي والاجتماعي المغربي، إذ يعد فضاءً للقاء والتواصل، ومكانًا للاسترخاء والنظافة، يحتفظ بمكانته رغم التطورات الحديثة في نمط الحياة. غير أن العاملين في هذه المهنة، المعروفين بالكسّالة، يواجهون واقعًا مهنيًا واجتماعيًا هشًا، يضعهم في مواجهة صعوبات لا تقل عن تلك التي تواجه فئات أخرى تعمل في ظروف قاسية، مثل حراس الأمن الخاص.
يعتمد الكسّالة، رجالًا ونساء، بشكل شبه كامل على الدخل اليومي الذي يحصلون عليه مباشرة من الزبائن، دون الاستفادة من أجور ثابتة أو عقود عمل واضحة، ما يجعل مصدر رزقهم متقلبًا ويتأثر بأي ظرف استثنائي، مثل الإغلاقات المؤقتة أو قرارات ترشيد استهلاك الماء، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى انقطاع كلي عن العمل.
كما أن عدداً كبيراً من الكسّالة يشتغلون في إطار غير منظم، دون تغطية صحية أو حماية اجتماعية، ودون تأمين ضد حوادث الشغل، رغم ما تتطلبه طبيعة المهنة من مجهود بدني شاق وظروف عمل صعبة داخل فضاءات رطبة ومغلقة. ويضطر العديد منهم إلى العمل لساعات طويلة، قد تتجاوز 12 ساعة يوميًا، دون احترام الحد الأدنى القانوني لمدة العمل، ودون مقابل مالي ثابت أو تعويضات عن الساعات الإضافية.
هذه الوضعية تطرح تساؤلات مهمة حول مدى استفادة الكسّالة من برامج الإدماج في منظومة الحماية الاجتماعية، وعن الآليات المعتمدة لتنظيم العلاقة المهنية بينهم وبين أرباب الحمامات، بما يضمن كرامتهم واستقرارهم الاجتماعي، ويضع حدًا للاستغلال والهشاشة التي تطبع هذه المهنة التراثية.
وفي هذا الإطار، يبرز السؤال عن التدابير التي ستتخذها وزارة الشغل والقطاعات المعنية لتنظيم وضعية الكسّالة، وإدماجهم فعليًا في منظومة الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، ووضع إطار تعاقدي يحدد شروط العمل والعلاقة المهنية، إضافة إلى مراقبة الالتزام بمدة العمل القانونية وظروف الصحة والسلامة المهنية داخل الحمامات التقليدية.
يبقى التساؤل الأكبر: هل ستتمكن السلطات من الجمع بين الحفاظ على التراث وكرامة العاملين في آن واحد، أم سيظل الكسّالة ضحايا هشاشة اقتصادية واجتماعية؟

التعليقات مغلقة.