تُثار في الآونة الأخيرة موجة من الجدل الواسع حول تشديد مراقبة مخالفات الوقوف وتطبيق غرامات مالية وُصفت بالمرتفعة، في وقتٍ يواجه فيه المواطن المغربي خصاصًا واضحًا في أماكن الوقوف داخل المدن. وبين من يدعو إلى الصرامة في تطبيق قانون السير، ومن يعتبر أن المقاربة الزجرية وحدها غير كافية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل يمكن الحديث عن احترام القانون في غياب الشروط الموضوعية لتطبيقه؟
ويُجمع عدد من المتتبعين على أن فوضى الوقوف تشكل إحدى أبرز الإشكالات التي تعيق حركة السير والجولان، وتسهم في الاختناق المروري، وتؤثر بشكل مباشر على السلامة الطرقية وعلى السير الطبيعي للحياة اليومية داخل المدن. غير أن معالجة هذا الواقع عبر الغرامات وحدها، دون توفير بدائل عملية، من شأنه أن يُفرغ القانون من بعده التنظيمي، ويحوّله إلى أداة ضغط على المواطن بدل أن يكون وسيلة لضبط الفضاء العام.
وتُسجل في هذا السياق مفارقة واضحة بين الارتفاع المتزايد في عدد السيارات وغياب سياسة حضرية ناجعة لتأهيل البنية التحتية المرتبطة بالوقوف. فقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استعمال السيارات الخاصة، نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، دون أن يواكب ذلك إحداث مرائب عمومية كافية أو إدماج حلول واقعية داخل النسيج العمراني، خصوصًا في الأحياء المكتظة ومراكز المدن.
وتجد فئات واسعة من المواطنين نفسها مضطرة للوقوف في أماكن غير مخصصة، ليس بدافع خرق القانون، بل بسبب انعدام البديل. فالأزقة الضيقة، واحتلال الأرصفة، وغياب المرائب القريبة، كلها عوامل تضع السائق أمام خيارات محدودة، يكون ثمنها في كثير من الأحيان غرامة مالية تثقل كاهله وتزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
ويرى مهتمون بالشأن الحضري أن تحميل المواطن وحده مسؤولية الفوضى المرورية يُعد اختزالًا مخلًا للمشكل، ذلك أن جزءًا كبيرًا منه يرتبط بضعف التخطيط وغياب رؤية شاملة لتنظيم التنقل داخل المدن. فالقانون، مهما بلغت صرامته، لا يمكن أن يُنتج سلوكًا منضبطًا ما لم تُوفر شروط تطبيقه على أرض الواقع.
ويؤكد هؤلاء أن الانتقال إلى مقاربة ناجعة يقتضي الجمع بين الزجر والتأطير، وبين فرض احترام القانون وتوفير البدائل، عبر إحداث مرائب عمومية بثمن معقول، وفرض إدماج فضاءات للوقوف في المشاريع العمرانية الجديدة، وتنظيم الوقوف بدل منعه بشكل مطلق، بما يضمن حق الجميع في استعمال الطريق بشكل عادل ومتوازن.
ويخلص متابعون إلى أن الهدف من قانون السير ليس معاقبة المواطن، بل تنظيم حركة السير وحماية مستعملي الطريق. وهو هدف لا يمكن بلوغه إلا في إطار شراكة حقيقية تتحمل فيها الدولة والجماعات الترابية مسؤولية التهيئة والتخطيط، مقابل التزام المواطن باحترام القواعد المنظمة للسير والجولان.

التعليقات مغلقة.