أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

دعوة لتوحيد اليسار المغربي تصطدم بإرث الخلافات

جريدة أصوات

تشهد الساحة السياسية المغربية حراكاً جديداً داخل صفوف اليسار، على خلفية الدعوة التي أطلقها نبيل بنعبد الله، الأمين العام لـحزب التقدم والاشتراكية، إلى توحيد مكونات اليسار والقوى التقدمية حول برنامج حدّ أدنى يمهّد لتشكيل بديل سياسي قادر على خوض الاستحقاقات المقبلة برؤية مشتركة. دعوةٌ تعكس إدراكاً متزايداً داخل الحزب بعمق أزمة التشتت التي يعيشها هذا التيار، لكنها في المقابل تصطدم بإرث ثقيل من الخلافات والتجارب غير المحسومة.

بنعبد الله أعلن استعداد حزبه للشروع فوراً في عقد لقاءات مع مختلف الأطراف اليسارية، بهدف بلورة أرضية سياسية مشتركة تُبنى عليها تحالفات انتخابية وسياسية. واعتبر أن استمرار التشرذم داخل اليسار لم يعد مبرراً، داعياً إلى نقاش جماعي “من دون شروط مسبقة أو حسابات مستقبلية”، في إشارة واضحة إلى ضرورة تجاوز الخلافات التنظيمية والتاريخية التي عطلت لسنوات إمكانية بناء جبهة يسارية موحدة.

غير أن هذه الدعوة، رغم رمزيتها السياسية، لم تلقَ إلى حدود الساعة تجاوباً عملياً واضحاً من بقية المكونات، وعلى رأسها فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، ما يعكس استمرار منسوب الحذر والشك بين هذه الأطراف بشأن جدوى أي اصطفاف جديد لا يستحضر دروس الماضي.

في هذا السياق، عبّر عبد السلام العزيز، الأمين العام لفدرالية اليسار الديمقراطي، عن استعداد مبدئي للجلوس إلى طاولة الحوار، مؤكداً أن حزبه كان دائماً مع توحيد الصف التقدمي. غير أنه شدد على أن الدعوة إلى برنامج حد أدنى تقتضي توضيحات سياسية عميقة قبل الانتقال إلى أي تنسيق عملي.

أولى هذه الإشكالات، بحسب العزيز، تتعلق بطبيعة التنسيق الانتخابي: هل الهدف هو فقط تفادي التنافس في الدوائر وتقاسم المقاعد، أم أن الانتخابات محطة ضمن مشروع تغييري أشمل؟ كما طرح سؤالاً حاسماً بشأن ما بعد النتائج: هل سيُعاد إنتاج تجربة “الحكومات الهجينة” التي تضم أطرافاً متباينة المرجعيات، والتي يعتبرها اليسار تجربة أثبتت محدوديتها؟

العزيز لم يُخفِ تحفظه على تكرار سيناريوهات سابقة شارك فيها حزب التقدم والاشتراكية ضمن تحالفات حكومية انتهت بنتائج مخيبة لجزء من قواعد اليسار، معتبراً أن أي وحدة لا تجيب عن هذا السؤال المركزي مآلها إعادة إنتاج الإشكال نفسه.

كما أثيرت إشكالية القدرة الواقعية على تنفيذ البرامج الانتخابية في ظل توازنات النظام الحزبي وإشكاليات الصلاحيات الحكومية، إضافة إلى تعقيدات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل اقتراب تنزيل ورش الحكم الذاتي في الصحراء، وما قد يفرضه من أولويات سياسية جديدة.

من جانبه، كشف مصدر قيادي في الحزب الاشتراكي الموحد عن انطلاق لقاءات ثنائية وثلاثية بين الأطراف المعنية، غير أن الخلاف الأبرز يتمحور حول سقف التحالف وطبيعته. فهناك تصور يعتبر أن التنسيق ينتهي بإعلان نتائج الانتخابات، مع احتفاظ كل حزب بحقه في تحديد موقعه من التحالفات الحكومية. في المقابل، يدفع تصور آخر نحو تحالف ممتد طيلة الولاية البرلمانية، عبر فريق موحد قائم على برنامج واضح، يشمل أيضاً الموقف من تشكيل الحكومة.

الحزب الاشتراكي الموحد لا يعارض مبدأ التحالف الانتخابي، خاصة مع فدرالية اليسار وحزب التقدم والاشتراكية، لكنه يشدد على ضرورة وضوح التعاقد السياسي واحترامه. وفي هذا السياق، يستحضر البعض تجربة توحد اليسار الفرنسي ضمن “الجبهة الشعبية الجديدة” في مواجهة صعود اليمين المتطرف، مع التنبيه إلى ما آلت إليه تلك التجربة لاحقاً من تشتت داخل البرلمان.

كما يؤكد الحزب موقفه المبدئي بعدم المشاركة في أي حكومة في ظل دستور لا ينص على ملكية برلمانية، وهو موقف يعكس اختلافاً جوهرياً في تصور طبيعة المشاركة في السلطة وحدودها.

تكشف هذه المواقف المتباينة أن مبادرة بنعبد الله، رغم أهميتها السياسية، تواجه تحديات عميقة، أبرزها فجوة الثقة المتراكمة بين مكونات اليسار، واختلاف قراءاتها لمسار المشاركة الحكومية وتجاربها السابقة. كما أن التباينات التنظيمية والاستراتيجية لا تزال تلقي بظلالها على أي محاولة لإعادة تجميع هذا التيار الذي كان، لعقود، أحد أبرز الفاعلين في الحقل السياسي المغربي.

اليوم، يقف اليسار المغربي أمام مفترق طرق: إما تحويل دعوات الوحدة إلى مشروع سياسي واضح المعالم، يجيب عن أسئلة الماضي ويؤسس لتعاقد جديد مع الناخبين، أو استمرار حالة التشتت التي قد تُبقيه على هامش معادلة سياسية تتجه نحو استقطابات جديدة. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط بالنسبة لأحزاب اليسار، بل لمجمل التوازنات داخل المشهد الحزبي المغربي.

التعليقات مغلقة.