في مدينة مثل سطات، حيث الطاقات الشبابية حاضرة بقوة، يظل السؤال بسيطا لكنه عميق: لماذا لا نحول هذا الحضور إلى فعل ثقافي منظم؟ لماذا لا نستثمر شهر رمضان، بإيقاعه الهادئ وروحه التأملية، في إطلاق دوري رمضاني للقراءة، ودوري للمناظرة، وآخر للكتابة؟
الفكرة ليست ترفا ثقافيا، ولا نشاطا مناسباتيا عابرا. هي محاولة لخلق مساحة يلتقي فيها من يحبون الفكر والكلمة. في سطات، يوجد شباب يقرؤون بصمت، وآخرون يكتبون دون أن يجدوا من يسمعهم، وطلبة لديهم أفكار تستحق النقاش. لكن ما ينقصهم هو الفضاء الذي يجمعهم.
اللقاءات الثقافية لا تصنع فقط أنشطة، بل تصنع شبكة. حين يجتمع المهتمون بالثقافة، يتعارفون، يتبادلون الكتب، يختلفون ويتحاورون، تنشأ بيئة صحية تولد منها الأفكار والمبادرات. المدينة التي لا تملك فضاءات للحوار، تترك أبناءها فرادى، كل واحد في جزيرته الخاصة.
ثم إن الثقافة رسالة بين الأجيال. في سطات، هناك أساتذة وفاعلون ثقافيون راكموا تجربة ومعرفة، وهناك جيل جديد يبحث عن طريقه. حين يجلس الطرفان في قاعة واحدة، لا يكون الأمر مجرد لقاء عابر، بل هو انتقال خبرة، واستمرار لذاكرة المدينة الثقافية. بدون هذا التواصل، يبدأ كل جيل من الصفر.
دوري للمناظرة مثلا يمكن أن يعلم الشباب كيف يختلفون باحترام. دوري للقراءة يمكن أن يعيد للكتاب مكانته في الفضاء العام. ودوري للكتابة قد يكشف أسماء جديدة كانت مختبئة خلف الشاشات. هذه الأنشطة لا تحتاج إمكانيات ضخمة. لدينا دور شباب، ولدينا مقاهٍ قادرة على احتضان لقاءات بسيطة. ما نحتاجه فعلا هو الإرادة والتنظيم.
هناك أيضا بعد نفسي مهم. في مدينة يشعر فيها بعض الشباب بالضيق أو الحيرة، يمكن لفضاء ثقافي أن يكون ملجأ. مكان يجد فيه الشاب من يشبهه، ومن يفهم أسئلته، ومن يساعده على تهذيب أفكاره بدل أن تتراكم في داخله. الثقافة ليست ترفا، بل وسيلة لبناء توازن داخلي وجماعي.
قد يقول البعض إن الحضور سيكون ضعيفا، أو إن الناس لا تهتم. لكن المبادرات لا تولد كبيرة، بل تكبر مع الوقت. كل تقليد ثقافي ناجح بدأ بفكرة صغيرة آمن بها أصحابها. الأهم أن تكون هناك رؤية واضحة، وتنظيم جدي، واستمرارية.
سطات لا ينقصها الذكاء ولا المواهب. ما ينقصها هو مساحة تلتقي فيها هذه الطاقات. وربما يكون دوري رمضاني للقراءة والمناظرة والكتابة بداية بسيطة، لكنها كافية لتقول إن هذه المدينة لا تعيش فقط يومها، بل تفكر في غدها أيضا.

التعليقات مغلقة.