أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

التعليم في المغرب أزمة نجاعة لا نقص موارد

بدر شاشا

أنا شخصياً عندما أتعامل مع موضوع التعليم في المغرب لا أتعامل معه كخطاب إنشائي أو نقاش عام، بل كمنظومة قابلة للقياس والتحليل بالأرقام والمؤشرات والمقارنة الدولية، لأن فهم هذه المنظومة لا يتم إلا عبر تفكيك عناصرها البنيوية: عدد التلاميذ، حجم الميزانية، جودة التعلمات، الزمن المدرسي، الحكامة، والنتائج القابلة للقياس.

من حيث البنية الكمية، يضم المغرب حوالي 7.5 مليون تلميذ في التعليم المدرسي، منهم ما يقارب 6.4 إلى 6.6 مليون في التعليم العمومي، أي ما يعادل حوالي 85% إلى 87% من مجموع التلاميذ، مقابل ما بين 900 ألف إلى مليون تلميذ في التعليم الخصوصي، أي حوالي 13% إلى 15%. هذا التوزيع يعكس أن التعليم العمومي ليس قطاعاً موازياً، بل هو البنية الأساسية التي تحمل عبء التمدرس الوطني.

على مستوى الاستثمار المالي، يخصص المغرب ما يقارب 80 إلى 90 مليار درهم سنوياً لقطاع التعليم، أي ما يقارب 12% من الميزانية العامة للدولة، وترتفع النسبة إلى حوالي 16% إذا أضيفت قطاعات اجتماعية مرتبطة مثل الصحة والدعم الاجتماعي. هذا الحجم من الإنفاق يضع المغرب ضمن الدول التي تستثمر بشكل كبير نسبياً في التعليم مقارنة بدخلها القومي، ومع ذلك لا يظهر هذا الاستثمار بنفس القوة في النتائج التعليمية النهائية.

عند الانتقال إلى المؤشرات الدولية، خصوصاً برنامج PISA الذي يقيس أداء التلاميذ في سن 15 سنة في الرياضيات والقراءة والعلوم، نجد أن المغرب يسجل نتائج دون المتوسط الدولي، ويقع غالباً ضمن الثلث الأخير من ترتيب الدول المشاركة. الفجوة مقارنة بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تتراوح في بعض المجالات بين 70 و100 نقطة، وهو فارق كبير يعكس ضعفاً في اكتساب الكفايات الأساسية وليس فقط ضعفاً في الامتحانات.

إذا انتقلنا إلى داخل القسم، يظهر عامل بنيوي حاسم يتمثل في عدد التلاميذ. في التعليم العمومي يتراوح عدد التلاميذ بين 35 و45 تلميذاً في القسم الواحد، وقد يتجاوز ذلك في بعض المناطق الحضرية المكتظة، بينما في التعليم الخصوصي يتراوح العدد بين 15 و25 تلميذاً. هذا الفارق ينعكس مباشرة على جودة التفاعل داخل القسم، وعلى قدرة الأستاذ على تتبع كل متعلم بشكل فردي، وعلى مستوى الفهم والاستيعاب، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات التربوية الدولية التي تعتبر أن تقليص حجم القسم من أهم عوامل تحسين جودة التعلم.

عامل الزمن المدرسي يكشف بدوره عن اختلاف جوهري بين القطاعين. في التعليم العمومي يتم فقدان جزء مهم من الزمن التعليمي بسبب الغيابات، الإضرابات، التأخر في التعويض، وبعض الإشكالات التنظيمية، مما يؤدي إلى تقليص الزمن الفعلي للتعلم مقارنة بالزمن الرسمي. في المقابل، التعليم الخصوصي يعتمد على منطق تعاقدي صارم مع الأسر، ما يجعل احترام الزمن المدرسي أكثر استقراراً، ويتم تعويض أي توقف بشكل شبه فوري، مما يرفع عدد ساعات التعلم الفعلية بشكل ملموس قد يصل إلى مئات الساعات سنوياً.

من حيث الحكامة، يعمل التعليم العمومي ضمن سلسلة إدارية طويلة تبدأ من الوزارة مروراً بالأكاديميات الجهوية ثم المديريات الإقليمية وصولاً إلى المؤسسات التعليمية، وهو ما يخلق بطئاً في اتخاذ القرار وصعوبة في التكيف السريع مع الإشكالات اليومية. في المقابل يتميز التعليم الخصوصي بهيكلة إدارية أقرب إلى المؤسسة نفسها، مما يسمح بسرعة في اتخاذ القرار ومرونة في تعديل البرامج وأساليب التدريس حسب مستوى التلاميذ.

على مستوى الدعم التربوي، يقدم التعليم الخصوصي عادة حصص دعم وتقوية منتظمة، مع تتبع فردي لكل تلميذ وتقييم مستمر لمستواه، خصوصاً في المواد الأساسية مثل الرياضيات واللغات الأجنبية. في حين يواجه التعليم العمومي صعوبة في تقديم هذا النوع من الدعم بشكل فعال بسبب الاكتظاظ ونقص الوقت والموارد البشرية المتخصصة في المتابعة الفردية.

عند تحليل نتائج البكالوريا في المغرب، نجد نسب نجاح وطنية تتجاوز أحياناً 80%، وهو رقم يبدو إيجابياً من الناحية الكمية، لكنه لا يعكس دائماً مستوى الكفايات الحقيقية، حيث تظهر صعوبات لاحقة لدى عدد كبير من التلاميذ في التعليم العالي، خصوصاً في اللغات الأجنبية والمهارات التحليلية والرياضية. هذا يكشف فجوة بين النجاح الامتحاني والجاهزية الأكاديمية الفعلية.

في المقارنة الدولية، تظهر مؤشرات مثل PISA ومؤشرات رأس المال البشري أن المغرب لا يزال في مستويات متوسطة إلى ضعيفة مقارنة بالدول ذات الأداء التعليمي المرتفع، خصوصاً في مجالات التفكير النقدي والفهم القرائي والقدرة على حل المشكلات. هذا يؤكد أن الإشكال ليس في التمدرس أو الوصول إلى المدرسة، بل في جودة التعلم داخل الفصول الدراسية.

عند مقارنة القطاعين بشكل بنيوي، يظهر أن التعليم العمومي يتميز بالشمولية والانتشار وتحمل مسؤولية اجتماعية كبيرة، لكنه يعاني من الاكتظاظ وبطء الحكامة وضعف التتبع الفردي وعدم استقرار الزمن المدرسي. في المقابل يتميز التعليم الخصوصي بالمرونة، وصغر حجم الأقسام، وسرعة اتخاذ القرار، واستقرار الزمن الدراسي، وكثافة الدعم التربوي، مما ينعكس على نتائجه الأكاديمية.

من هذا التحليل يمكن الاستنتاج أن الفارق بين القطاعين ليس فارقاً في الأهداف أو في الموارد فقط، بل هو فارق في نموذج التدبير والتنظيم. التعليم الخصوصي يشتغل بمنطق النجاعة المباشرة والنتيجة السريعة، بينما التعليم العمومي يشتغل بمنطق الخدمة العمومية الشاملة، وهو ما يخلق تحدياً دائماً بين العدالة في التوزيع والفعالية في النتائج.

الاستنتاج الأساسي من هذا التحليل هو أن المشكلة لا تكمن في نقص الميزانية، لأن الاستثمار في التعليم مرتفع نسبياً، بل تكمن في ضعف تحويل هذا الاستثمار إلى تعلم فعلي داخل القسم. أي أن الإشكال الحقيقي هو إشكال نجاعة وليس إشكال تمويل، وإشكال تدبير وليس إشكال موارد، وإشكال حكامة وليس إشكال نية إصلاحية.

إذا تعمقنا أكثر في فهم هذه المنظومة، نجد أن الإشكال لا يتعلق فقط بما يحدث داخل القسم، بل أيضاً بما يحدث قبل دخول التلميذ إلى القسم نفسه. فمسار التلميذ يبدأ منذ التعليم الأولي، وهنا تظهر أولى الفوارق البنيوية بين العمومي والخصوصي. التعليم الأولي في القطاع الخاص غالباً ما يكون أكثر تنظيماً من حيث البرامج، وأكثر تركيزاً على المهارات الأساسية مثل اللغة، الإدراك، والتواصل، بينما التعليم الأولي العمومي، رغم التوسع الكبير الذي عرفه في السنوات الأخيرة، ما زال يعاني من تفاوت في الجودة بين المناطق ومن نقص في الموارد البشرية المؤهلة.

هذا الاختلاف في البداية التربوية يخلق ما يمكن تسميته بالفجوة التراكمية، أي أن التلميذ الذي يبدأ مساره التعليمي في بيئة أكثر استقراراً وتنظيماً، يواصل لاحقاً مساره الدراسي بمستوى أعلى من الجاهزية مقارنة بتلميذ بدأ في بيئة أقل استقراراً. ومع مرور السنوات، تتسع هذه الفجوة بشكل تدريجي، حتى تظهر بوضوح في المستويات الإعدادية والثانوية.

من زاوية أخرى، يمكن تحليل مسألة المناهج الدراسية نفسها. المناهج في المغرب، خصوصاً في التعليم العمومي، تعرف كثافة في المحتوى، أي أنها تحتوي على عدد كبير من الدروس والوحدات في زمن دراسي محدود نسبياً. هذا يخلق ضغطاً على الأستاذ وعلى التلميذ في نفس الوقت، حيث يصبح الهدف في كثير من الأحيان هو إنهاء المقرر أكثر من ضمان التمكن الفعلي من الكفايات. في المقابل، التعليم الخصوصي غالباً ما يعتمد على تكييف أسرع للمناهج، مع تركيز أكبر على الجودة وليس على الكم، خصوصاً في المواد الأساسية.

هذا الاختلاف في التعامل مع المنهج يعكس فلسفتين مختلفتين في التعليم: فلسفة تقوم على التعميم والشمول، وفلسفة تقوم على الانتقاء والتركيز. الأولى ضرورية اجتماعياً لضمان حق التعليم للجميع، لكنها تواجه تحدي الفعالية، بينما الثانية أكثر نجاعة على مستوى النتائج لكنها غير قابلة للتعميم بنفس السهولة.

إذا انتقلنا إلى مسألة التقييم، نجد أن نظام التقييم في التعليم العمومي يعتمد بشكل كبير على الامتحانات الموحدة، خاصة في المستويات الإشهادية. هذا النظام يعطي صورة رقمية عن النجاح، لكنه لا يعكس دائماً مستوى الفهم الحقيقي أو الكفايات العميقة. في المقابل، التعليم الخصوصي يعتمد على التقييم المستمر، أي تتبع يومي أو أسبوعي لمستوى التلميذ، مما يسمح بتصحيح التعثرات في وقت مبكر بدل تراكمها.

وهنا يظهر عنصر مهم جداً في التحليل، وهو الزمن البيداغوجي للتصحيح. في التعليم العمومي، قد يتأخر اكتشاف تعثر التلميذ إلى مراحل متقدمة، بينما في التعليم الخصوصي يتم التدخل بسرعة أكبر، مما يمنع تراكم الصعوبات. هذا الفرق البسيط في التوقيت ينتج عنه فرق كبير في النتائج النهائية.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال العامل الاجتماعي والاقتصادي. التعليم العمومي يستقبل جميع الفئات الاجتماعية بدون استثناء، بما في ذلك الفئات الهشة التي تعاني من ظروف اجتماعية صعبة تؤثر بشكل مباشر على التحصيل الدراسي. بينما التعليم الخصوصي، بحكم كلفته المالية، يستقطب في الغالب فئات اجتماعية أكثر استقراراً نسبياً، مما يخلق بيئة تعليمية أكثر تجانساً من حيث الخلفية الاجتماعية، وهذا بدوره يسهل العملية التعليمية.

إذا ربطنا كل هذه العناصر معاً، نصل إلى نتيجة بنيوية مهمة: الفوارق بين التعليمين ليست فوارق تقنية فقط، بل هي فوارق في السياق الكامل للتعلم، تشمل البداية التعليمية، حجم القسم، الزمن المدرسي، الحكامة، التقييم، والخلفية الاجتماعية.

وعندما نقارن هذه الوضعية مع التجارب الدولية، نجد أن الدول التي حققت نتائج قوية في التعليم مثل فنلندا، كوريا الجنوبية، وسنغافورة، لم تعتمد فقط على زيادة الميزانية، بل على عناصر محددة: تقليص حجم الأقسام، رفع جودة تكوين الأساتذة، تقوية الاستقلالية داخل المؤسسات التعليمية، والاعتماد على التقييم المستمر بدل التركيز المفرط على الامتحانات النهائية. وهذا يعني أن الإصلاح الحقيقي في التعليم لا يرتبط بالموارد وحدها، بل بكيفية تنظيمها وتوجيهها.

في الحالة المغربية، يمكن القول إن التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق “توسيع التعليم” إلى منطق “تجويد التعليم”. فمرحلة التوسيع تم تحقيق جزء كبير منها من خلال تعميم التمدرس، لكن مرحلة الجودة ما زالت تحتاج إلى إصلاحات عميقة في البنية التنظيمية والتربوية.

ومن هذا المنطلق، يصبح واضحاً أن الحل لا يمكن أن يكون جزئياً أو تقنياً فقط، بل يجب أن يكون بنيوياً. بمعنى إعادة التفكير في شكل القسم، في دور الأستاذ، في علاقة الزمن بالتعلم، وفي طريقة تقييم النتائج. لأن كل عنصر من هذه العناصر يؤثر بشكل مباشر على جودة النظام ككل.إذا واصلنا تفكيك هذا الموضوع بشكل أعمق، نصل إلى عنصر غالباً ما يتم تجاهله في النقاش العمومي حول التعليم، وهو جودة التكوين الأولي للأستاذ ثم كيفية إدماجه داخل المنظومة. فالأستاذ في التعليم العمومي يمر من مسار تكوين رسمي داخل مراكز التكوين، لكن عند التحاقه بالمؤسسة التعليمية، يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً عن ما تم تدريسه نظرياً، خصوصاً في ما يتعلق بالاكتظاظ، وتنوع المستويات داخل القسم، والضغط الإداري، وضعف الوسائل البيداغوجية في بعض المؤسسات.
هذا الانفصال النسبي بين التكوين النظري والواقع الميداني يخلق نوعاً من التكيف التدريجي، لكنه في بعض الحالات يؤدي إلى تفاوت في الأداء داخل نفس النظام. في المقابل، في التعليم الخصوصي، يتم غالباً اختيار الأساتذة بناءً على معايير الأداء والنتائج، مع تقييم مستمر، مما يخلق ضغطاً مهنياً مباشراً مرتبطاً بجودة التدريس وليس فقط بالأقدمية أو المسار الإداري.
من زاوية أخرى، يمكن تحليل العلاقة بين الأسرة والمدرسة، وهي علاقة محورية في فهم الفارق بين القطاعين. في التعليم الخصوصي، العلاقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية تكون مباشرة ومستمرة، حيث يتم إبلاغ الآباء بشكل دوري بمستوى أبنائهم، ويتم إشراكهم في مسار التعلم بشكل شبه دائم. هذا يخلق ما يمكن تسميته بالرقابة التربوية المشتركة، حيث لا يكون التلميذ فقط تحت مراقبة المدرسة، بل أيضاً تحت متابعة الأسرة بشكل نشط.
أما في التعليم العمومي، فهذه العلاقة تكون أقل كثافة، وغالباً ما تقتصر على الاجتماعات الدورية أو التواصل عند وجود مشاكل، مما يقلل من سرعة التدخل الأسري في دعم المسار التعليمي للتلميذ. هذا الفرق في مستوى التفاعل بين الأسرة والمدرسة له أثر مباشر على التحفيز والانضباط والتتبع.
إذا انتقلنا إلى جانب آخر أكثر عمقاً، وهو الثقافة التعليمية داخل المجتمع، نجد أن التعليم الخصوصي أصبح في بعض الحالات مرتبطاً بتوقعات اجتماعية عالية، حيث تعتبر الأسر أن الأداء الجيد مرتبط بالاستثمار المالي المباشر في التعليم. هذا يخلق نوعاً من الضغط الإيجابي على المؤسسات الخصوصية لتحسين نتائجها باستمرار. في المقابل، التعليم العمومي، بحكم طابعه المجاني والشامل، لا يخضع لنفس منطق السوق، مما يجعله أقل ارتباطاً بمنطق المنافسة المباشرة، وأكثر ارتباطاً بمنطق الخدمة العمومية.
لكن هذا لا يعني أن منطق السوق أفضل بالضرورة، بل يعني فقط أنه يخلق آليات مختلفة للضغط والتحفيز. في التعليم العمومي، التحفيز يجب أن يأتي من داخل النظام نفسه عبر الحكامة والتقييم والموارد، وليس عبر المنافسة السوقية.
إذا نظرنا إلى الزمن الطويل للتعلم، أي من التعليم الابتدائي إلى الثانوي، يمكن ملاحظة أن الفجوة بين التلاميذ لا تظهر فجأة، بل تتراكم تدريجياً. في السنوات الأولى، قد يكون الفارق بسيطاً، لكنه مع مرور الوقت، ومع تراكم الدروس، ومع اختلاف جودة التتبع، يصبح هذا الفارق واضحاً في المستويات الإعدادية والثانوية، ثم يظهر بشكل أكبر عند الانتقال إلى التعليم العالي أو سوق الشغل.
هذا التراكم هو ما يجعل مشكلة التعليم ليست مشكلة لحظية، بل مشكلة بنيوية طويلة المدى، لأن أي خلل صغير في البداية يتضاعف مع الزمن.
ومن زاوية تحليل السياسات العمومية، يمكن القول إن المغرب قام بعدة محاولات إصلاحية مهمة، لكن أغلب هذه الإصلاحات كانت تركز على الجانب الهيكلي أو التنظيمي العام، مثل تغيير البرامج أو إطلاق مشاريع جديدة أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، بينما كان التحدي الحقيقي دائماً هو داخل القسم، أي في التفاعل اليومي بين الأستاذ والتلميذ.
ولهذا السبب، رغم كثرة الإصلاحات، تبقى النتائج محدودة نسبياً، لأن التغيير لم يصل دائماً إلى مستوى الممارسة اليومية للتعلم.
إذا قارنا هذه الوضعية بتجارب دولية ناجحة، نجد أن الدول التي حققت قفزات كبيرة في التعليم لم تعتمد فقط على الإصلاحات الكبرى، بل ركزت على عناصر دقيقة جداً مثل: تقليص حجم القسم، تقوية التكوين المستمر للأستاذ، اعتماد تقييمات تشخيصية مبكرة، وتحسين جودة الزمن المدرسي الفعلي.
وهذا يعيدنا إلى فكرة مركزية: التعليم ليس نظاماً إدارياً فقط، بل هو نظام تفاعل إنساني يومي، وكل تغيير في هذا التفاعل ينعكس مباشرة على النتائج.
في ضوء كل هذا التحليل، يمكن القول إن الفارق بين التعليم العمومي والخصوصي في المغرب ليس فارقاً في النوايا أو في الهدف، لأن الهدف واحد وهو التعليم، بل هو فارق في شروط الإنتاج التربوي نفسه. هذه الشروط تشمل الكثافة، الزمن، الحكامة، المتابعة، والبيئة الاجتماعية للتعلم.
وبالتالي، عندما يظهر تفوق نسبي للتعليم الخصوصي، فهو لا يعني بالضرورة أنه نموذج مثالي، بل يعني أنه يعمل داخل شروط أكثر قابلية للضبط والقياس. بينما التعليم العمومي يعمل داخل شروط أكثر تعقيداً واتساعاً، مما يجعل تحقيق نفس النتائج أكثر صعوبة.

وفي النهاية، عندما أعود إلى السؤال الأول: لماذا يتفوق التعليم الخصوصي على العمومي؟ أجد أن الجواب ليس بسيطاً، لكنه واضح من الناحية التحليلية. التفوق هنا ليس تفوقاً مطلقاً، بل هو تفوق في شروط العمل التربوي: أقل اكتظاظاً، أكثر استقراراً زمنياً، أسرع في اتخاذ القرار، وأكثر قرباً من التلميذ كفرد. بينما التعليم العمومي، رغم قوته البنيوية ودوره الاجتماعي، يشتغل داخل منظومة ثقيلة ومعقدة تجعل تحويل الموارد إلى نتائج عملية تحدياً دائماً.

التعليقات مغلقة.