أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المغرب ومالي: دبلوماسية الاستقرار وسط توترات الساحل

جريدة أصوات

وقف الدبلوماسي للمملكة المغربية من خلال بلاغ رسمي لوزارة الشؤون الخارجية، أكد تمسك الرباط بثوابت سياستها الخارجية القائمة على إدانة الإرهاب، وتعزيز التضامن مع الدول الشريكة، واحترام سيادتها ووحدتها الترابية.

ويأتي هذا الموقف في سياق إقليمي بالغ التعقيد بمنطقة الساحل، حيث لم تعد التحديات محصورة في بعدها الأمني فقط، بل امتدت لتشمل أبعادًا جيوسياسية وإعلامية متشابكة، باتت تؤثر في طبيعة التفاعلات بين الفاعلين الإقليميين، وتعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

وأكد البلاغ المغربي، وفق ما تم تداوله، على إدانة واضحة للهجمات الإرهابية التي استهدفت مالي، مع التعبير عن تضامن كامل مع شعبها ومؤسساتها، وتجديد دعم المملكة لجهود استقرار البلاد والحفاظ على وحدتها.

ويرى مراقبون أن هذا التموقع يعكس نهجًا دبلوماسيًا مغربيًا ثابتًا يقوم على دعم الاستقرار في الدول الإفريقية، والانخراط في جهود مكافحة الإرهاب دون الدخول في سجالات جانبية أو اصطفافات ظرفية، مع التركيز على العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية.

وتشهد منطقة الساحل في الآونة الأخيرة تصاعدًا في حدة التوترات الأمنية، توازيه معركة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في “صراع السرديات” داخل الفضاء الإعلامي، حيث يتم توظيف الأزمات الأمنية لإعادة تشكيل الصورة العامة للأوضاع في بعض الدول، ومنها مالي.

وفي هذا الإطار، يلاحظ محللون أن الأحداث الأخيرة لم تُقرأ فقط من زاوية ميدانية، بل تحولت أيضًا إلى مادة لتجاذبات إعلامية، حيث برزت روايات متباينة حول الوضع الأمني والسياسي، بعضها يعكس، بحسب تقديراتهم، محاولات لتوجيه الرأي العام وبناء تصورات معينة حول هشاشة الدولة أو مستقبلها السياسي.

ويشير متتبعون إلى أن عدداً من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب وسائل إعلام غير رسمية، ساهمت في نشر سرديات متشائمة حول الوضع في مالي، تضمنت أحيانًا أخبارًا غير مؤكدة أو تحليلات مبالغ فيها بشأن احتمالات الانهيار المؤسسي.

ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا النمط من الخطاب يتجاوز التحليل الموضوعي، ليقترب من ما يُوصف بـ”الحرب النفسية الإعلامية”، التي تعتمد على تضخيم المعطيات وبث روايات متناقضة بهدف التأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي.

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز التقارب المتنامي بين المغرب ومالي، خاصة في ظل مواقف باماكو الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، وهو ما يعتبره مراقبون تحولاً لافتًا في التوازنات الإقليمية داخل منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

ويرى هؤلاء أن هذا التقارب قد يفسر، جزئيًا، تصاعد بعض محاولات التشويش على العلاقات الثنائية أو إعادة صياغة السرديات المرتبطة بالوضع في مالي، في سياق تنافس جيوسياسي أوسع.

كما أشار محللون إلى محاولات ربط ملف أزواد بقضية الصحراء المغربية، غير أن هذه المقارنة، وفق تقديراتهم، تفتقر إلى الأساس الموضوعي، بالنظر إلى اختلاف السياقات القانونية والسياسية لكل ملف.

فبينما تخضع قضية الصحراء المغربية لمسار أممي قائم على حل سياسي واقعي وذي مصداقية، يرتكز على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يظل الوضع في شمال مالي مرتبطًا بتعقيدات داخلية تتداخل فيها عوامل العنف المسلح ونشاط الجماعات الإرهابية.

ومن الناحية الأمنية، يحذر خبراء من خطورة التداخل بين بعض الحركات الانفصالية المسلحة والتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، معتبرين أن هذا التقاطع يشكل تهديدًا استراتيجيًا يتجاوز الحدود الوطنية للدول، ويتطلب مقاربة إقليمية شاملة بدل التعامل معه بشكل مجزأ.

كما يُشير متابعون إلى أن استهداف بعض الشراكات الإقليمية، ومن ضمنها المغرب ودول أخرى، قد يندرج ضمن محاولات لعزل بعض الفاعلين دبلوماسيًا، غير أن التطورات تشير في المقابل إلى تزايد أهمية هذه الشراكات في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

وفي المحصلة، يعكس الموقف المغربي من التطورات في مالي استمرار نهج دبلوماسي يقوم على دعم الاستقرار، واحترام السيادة، ومكافحة الإرهاب في إطار التعاون الإفريقي. وفي المقابل، يبرز المشهد الإقليمي في منطقة الساحل كفضاء تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والإعلامية، بما يجعل قراءة الأحداث أكثر تعقيدًا من مجرد كونها تطورات ميدانية معزولة.

التعليقات مغلقة.