مدينة قابس جنوب شرق تونس حيث تلتقي الأرض بالبحر يقف “المجمع الكيمياوي” كرمز للصراع بين التنمية الصناعية والحفاظ على البيئة.
منذ عقود يُعد هذا المجمع الذي يتبع لشركة قابس للفوسفات (CPS) أحد أكبر مصادر التلوث في البلاد يُفقد المنطقة سبل الحياة الكريمة .
اليوم لا تزال الانبعاثات الغازية والنفايات الصلبة تهدد صحة سكان المنطقة ونشاطهم الاقتصادي مما دفع الأهالي إلى تنظيم مظاهرات وتحركات احتجاجية متكررة مطالبين بحلول جذرية لمعظلة التلوث محملين الدولة مسؤولية صمتها عن موتهم البطيء .
1. المجمع الكيمياوي وقابس: واقع بيئي مُقلق
يعد المجمع الكيمياوي بقابس من أبرز المنشآت الصناعية في تونس حيث ينتج الفوسفات ومنتجاته الثانوية مثل حمض الكبريتيك والسماد الفوسفاتي. ومع ذلك ارتبط اسم ولاية قابس بالتلوث بشكل كبير بسبب الانبعاثات الغازية.
حيث تنطلق يوميًا كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO2) وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة من مداخن المجمع ومحطات توليد الكهرباء التابعة له.
إضافة لنفايات الفوسفوجيس (Gypsum) و تُخزن ملايين الأطنان من هذه النفايات السائلة والصلبة في مكبات عشوائية قرب ساحل المدينة مما يؤدي إلى تسرب مواد سامة إلى المياه الجوفية والبحر.
كذلك الغبار الأسود نتيجة عمليات التكسير والنقل ينتشر غبار فوسفاتي أسود يغطي المنازل والأشجار مما يؤثر على جودة الحياة.
إحصائيات مخيفة:
> – وفقا لتقارير المنظمة التونسية لحماية البيئة تتجاوز انبعاثات SO2 من المجمع حدود السلامة الصحية بأكثر من 3 أضعاف في بعض الأيام.
> – تشير دراسات محلية إلى أن نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي لدى سكان قابس تفوق المتوسط الوطني بنسبة 40%.
2. غضب الأهالي: من الاحتجاجات إلى المطالبة بالإغلاق .
لم يتقبل سكان قابس استمرار الوضع على حاله وإلحاق الضرر البالغ بالصحة العامة لتتواصل المعاناة حيث شهدت الفترة الماضية تاثيرا مباشرا على كل المرافق المحيطة به وصلت لحدود حالات الاختناق في صفوف التلاميذ بالمدارس والمعاهد المجاورة للمجمع مما خلق تذمرا وهلعا في صفوف الاهالي من المٱلات المخيفة التي يتسبب فيها ومنذ ذلك الحين شهدنا:
خروج أهالي قابس عن صمتهم وتنظيم عشرات المظاهرات تحت شعارات مختلفة منها “قابس تتنفس… لا تسممونا” “نحب نعيش” ” اوقفوا التلوث ” وقد انتظمت عديد التحركات السلمية الشعبية مطالبين الدولة بحلول جذرية لواقع اصبح اكثر قتامة بالنسبة لهم واقعا يحرمهم “هواء نظيفا ” يضمن لهم ابسط حقوقهم المواطنية.وامام الحراك الشعبي والمطالبات الشعبية تراءت بعض “الحلول” منها :
تشكيل لجان شعبية تتمثل في مبادرات موازية لمراقبة جودة الهواء وإعداد تقارير مستقلة عن الانبعاثات وبعض المقترحات العملية للحد من التلوث .
ولم ترتقي هاته الحلول المقدمة لتطلعات المتساكنين فطالب نشطاء محليون بإيقاف العمليات الصناعية الخطرة حتى يتم توفير بدائل بيئية آمنة وامام المطالب واستمرار نشاط المجمع شهدت المدينة خروج الالاف من الاهالي يطالبون سلطة الاشراف بالاغلاق الفوري للمجمع وتفكيك الوحدات . ولم يخلو المشهد من الصدام بين اهالي قابس والمجمع فمثل نشطاء حملة “اوقفوا التلوث ” “stop pollution ” امام القضاء بقضايا رفعها ضدهم المجمع كمتضرر و صدرت في حقهم احكام سجنية
و في هذا السياق أكدت منظمات وجمعيات وطنية تونسية في بيان تضامني مشترك ” أنّ الحق في الاحتجاج السلمي والدفاع عن الحقوق البيئية والاجتماعية هو ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي وأنّ حماية هذا الحق ليست خيارًا ظرفيًا أو خطابًا سياسيًا بل هو التزام دستوري ودولي ملزم للدولة تجاه مواطنيها ويشكل معيارًا أساسيًا لحماية العدالة والكرامة الإنسانية”.
وامام هذا الغضب الشعبي المتزايد يوما بعد يوم واجهت الحكومة التونسية ضغطًا متزايدًا للتعامل مع الأزمة حيث اتخذت عدة “إجراءات” لم تزد عن “الوعود المؤجلة” فواجهت انتقادات لعدم فعاليتها والتزامها بحلول جذرية مما عمق الازمة بين المتساكنين والدولة .
و قد فرضت وزارة البيئة غرامات على المجمع لعدم الالتزام بالمعايير البيئية و اوثقت ذلك برقابة مشددة على الانبعاثات ولم تكن محاولات الوزارة المكلفة بالبيئة حسب اهالي مدينة قابس مجرد حلول “تطمينية ” “هشة” لا ترتقي لتطلعاتهم من اجل حياة بدون تلوث .
وقد أعلنت الشركة الوطنية للفوسفات في وقت لاحق عن استثمارات بملايين الدنانير لتحديث تقنيات الإنتاج وتقليل الانبعاثات لكن التنفيذ بطيء وغير كاف.
تزامنا مع مبادرة تنظيف الساحل من النفايات الكيميائية لكنها تظل حلولًا مؤقتة وليست جذرية كما انتهج المجمع في بعض الاحيان الإغلاق المؤقت الذي يتمثل في إيقاف عمليات معينة مثل حرق الكوك (Coke) أو تشغيل وحدات إنتاج محددة أثناء فترات الذروة أو عند تجاوز الحدود القانونية.
كلها محاولات من السلطة للحد مما تراكمته العقود من تهديد صارخ للانسان والبيئة بالجهة.
وفيما يتواصل عمل المجمع وتذمر الاهالي يرى ناشطون ب أن الإجراءات الحكومية “ترقيعية” ولا تعالج أصل المشكل مطالبين بخطة شاملة للإغلاق التدريجي للمنشآت القديمة واستبدالها بتقنيات نظيفة .
لحل الأزمة بشكل مستدام اقترح خبراء ومنظمات بيئية عدة حلول من أهمها التحول إلى الطاقة النظيفة: استبدال الفحم والكوك في محطات الكهرباء التابعة للمجمع بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي تتوفر بوفرة في المنطقةومعالجة النفايات وإعادة التدوير تحويل الفوسفوجيس إلى مواد بناء صديقة للبيئة بدلاً من تخزينها في المكبات تحديث التقنيات الصناعية: اعتماد تقنيات حديثة في إنتاج الفوسفات تقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 70%.

التعليقات مغلقة.