أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الحكومة المقبلة أمام امتحان الشباب والطبقات الشعبية

بقلم الأستاذ محمد عيدني – فاس

تتجه الأنظار مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة إلى شكل الحكومة التي ستتولى تدبير المرحلة القادمة، والأهم من ذلك إلى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين، خصوصاً الشباب والطبقات الشعبية التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والسكن والصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.
ويثير النقاش السياسي الحالي مخاوف لدى فئات من المجتمع من أن تتحول المرحلة المقبلة إلى استمرار للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تتمكن، في نظر منتقديها، من معالجة عدد من الملفات العالقة. وفي المقابل، يرى آخرون أن الحكم على أي حزب أو حكومة ينبغي أن يتم انطلاقاً من برامجها وقراراتها ونتائجها، وليس من التخوفات أو الخطابات السياسية السابقة لأوانها.
ويبرز حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب باقي الأحزاب السياسية، في قلب النقاش حول مستقبل الحكومة المقبلة. غير أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط: من سيقود الحكومة؟ بل: ماذا ستقدم الحكومة المقبلة للمواطن؟
فالشباب المغربي ينتظر حلولاً ملموسة في مجال التشغيل، وفرصاً حقيقية لبناء المستقبل، وتحسين ظروف الولوج إلى سوق العمل، ودعماً للمبادرات والمقاولات الصغيرة، إلى جانب إصلاحات تضمن تكافؤ الفرص وتحمي الفئات الهشة.
أما الطبقة الشعبية، فتواجه بدورها ضغوطاً مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، وتكاليف السكن، والصحة والتعليم والنقل، وهو ما يجعل أي حكومة مقبلة مطالبة بإعطاء الأولوية للبعد الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بالمؤشرات الاقتصادية العامة إذا لم تنعكس نتائجها على الحياة اليومية للمواطنين.
إن الرهان الحقيقي أمام الحكومة المقبلة سيكون هو تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. فالمغرب يحتاج إلى اقتصاد قوي واستثمارات منتجة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى توزيع أكثر إنصافاً لثمار التنمية، وإلى سياسات عمومية تجعل المواطن يشعر بأن الإصلاحات تنعكس فعلاً على حياته ومستقبل أبنائه.
كما أن ملف الشباب سيكون اختباراً حقيقياً للحكومة المقبلة. فالشاب الذي يبحث عن عمل، أو يواجه صعوبة في الحصول على السكن، أو يرى أن فرص النجاح مرتبطة بالوساطة أو الإمكانات المادية، لن تقنعه الخطابات السياسية وحدها. ما يحتاجه هو الأمل المبني على سياسات واضحة وفرص حقيقية.
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة يجب ألا تتحول إلى مجرد منافسة على المقاعد والمناصب، بل إلى تعاقد سياسي واجتماعي جديد مع المواطنين. وعلى الأحزاب المتنافسة أن تقدم برامج قابلة للتنفيذ، وأن تكشف بوضوح عن مصادر تمويل وعودها، وكيف ستواجه البطالة والفقر والهشاشة، وكيف ستدعم الطبقة المتوسطة وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً.
وفي هذا السياق، فإن تخويف المواطنين مسبقاً من وصول حزب معين إلى الحكومة لا يخدم النقاش الديمقراطي، كما أن تقديم أي حزب باعتباره المنقذ الوحيد لا يخدم المصلحة العامة. المعيار الحقيقي هو الأداء والنتائج والمحاسبة.
فإذا استطاعت الحكومة المقبلة أن تجعل التشغيل أولوية، وتحسن الخدمات العمومية، وتحمي القدرة الشرائية، وتدعم الاستثمار المنتج، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب، فإنها ستكون قد اقتربت من انتظارات المجتمع.
أما إذا بقيت الوعود أكبر من النتائج، واستمرت الفوارق الاجتماعية والإحساس بالتهميش، فإن أي حكومة، مهما كان لونها السياسي، ستجد نفسها أمام أزمة ثقة حقيقية.
لذلك، فإن المواطن المغربي اليوم لا ينتظر فقط معرفة اسم رئيس الحكومة المقبل، بل ينتظر الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: هل ستكون الحكومة المقبلة حكومةً تستمع إلى الشعب وتستجيب لأولوياته، أم حكومةً تواصل تدبير الملفات بالمنطق نفسه؟
إن المرحلة المقبلة ستكون امتحاناً سياسياً واجتماعياً كبيراً، وسيكون الشباب والطبقات الشعبية في مقدمة من سيحكمون على نجاح الحكومة أو فشلها. والرسالة واضحة: المغاربة لا يريدون شعارات جديدة، بل يريدون نتائج ملموسة، وعدالة اجتماعية، وفرصاً حقيقية ومستقبلاً أكثر أمناً وكرامة.

التعليقات مغلقة.