مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يجد إقليم فجيج نفسه أمام محطة مفصلية تستدعي التوقف عندها بعمق أكبر من مجرد التداول الموسمي المعتاد. فالخطاب السياسي الذي ظل يُعاد إنتاجه في هذا الإقليم الحدودي منذ عقود، والقائم على الوعود العامة والشعارات الجاهزة، لم يعد قادراً على مخاطبة واقع اجتماعي واقتصادي تحول بشكل جذري. إقليم فجيج، بموقعه الحدودي الحساس وبنيته الاقتصادية المحدودة، يحتاج اليوم إلى خطاب سياسي جديد يقوم على التشخيص الدقيق والالتزام القابل للقياس، لا على الخطابة العاطفية التي لا تترجم إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
هذا التحول في الخطاب لا يمكن أن يتحقق دون إشراك حقيقي للفئة التي تشكل العمود الفقري الديمغرافي للإقليم: الشباب. فبقدر ما ظل هذا المكون الاجتماعي حاضراً في الأرقام، ظل غائباً في مراكز القرار وفي صياغة البرامج الانتخابية التي يُفترض أنها موجهة إليه بالأساس.
### وقت الشباب: من الهامش إلى المتن
الحديث اليوم عن “وقت الشباب” ليس ترفاً خطابياً، بل ضرورة سياسية فرضتها معطيات التركيبة السكانية بالمغرب عموماً وبالجهة الشرقية على وجه الخصوص. فالشباب لم يعودوا مجرد قاعدة انتخابية يُستنفر حضورها يوم الاقتراع، بل أصبحوا فاعلاً يطالب بموقع في صياغة القرار المحلي، سواء عبر الترشح المباشر، أو عبر الانخراط في هياكل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني، أو من خلال المساءلة الرقمية التي باتت تشكل ضغطاً حقيقياً على الفاعلين السياسيين التقليديين.
غير أن هذا “الوقت” لن يتحول إلى فرصة فعلية ما لم يواكبه انفتاح حقيقي من الأحزاب السياسية على الكفاءات الشابة في اللوائح الانتخابية، بعيداً عن منطق “الحصص الرمزية” الذي طالما اكتفى بإدراج أسماء شبابية في مراتب غير مؤهلة للفوز. فالمطلوب اليوم هو تموقع فعلي وواعٍ، يقوم على المشاركة في تحديد الأولويات، لا على الحضور الشكلي في الصور والحملات.
### البطالة بالأرقام: واقع لا يحتمل التأجيل
لا يمكن الحديث عن تموقع الشباب في الاستحقاقات المقبلة بمعزل عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشونها، والتي تختصرها أرقام البطالة الرسمية. فحسب آخر مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، استقر معدل البطالة على الصعيد الوطني في حدود 13 بالمئة خلال سنة 2025، لكن هذا الرقم الإجمالي يخفي فجوة عميقة بين الفئات العمرية: فبطالة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة ارتفعت من 36.7 بالمئة إلى 37.2 بالمئة، وهي من أعلى المعدلات مقارنة ببقية الفئات العمرية.
والأخطر أن هذه الأزمة تتخذ بعداً جهوياً أكثر حدة في الجهة الشرقية التي ينتمي إليها إقليم فجيج. فبيانات المندوبية للفصل الأول من سنة 2025 وضعت جهة الشرق في مقدمة الجهات من حيث معدل البطالة بنسبة تجاوزت 25 بالمئة، قبل أن تسجل تراجعاً نسبياً في فصول لاحقة ليستقر المعدل الجهوي في حدود 21 إلى 22 بالمئة، أي ما يقارب ضعف المعدل الوطني. كما تُظهر بيانات المندوبية أن جهة الشرق تسجل من أدنى معدلات النشاط الاقتصادي على المستوى الوطني، ما يعني أن جزءاً كبيراً من شباب الجهة، ومن ضمنهم شباب فجيج، إما خارج سوق الشغل بالكامل أو غير مندمج فيه بشكل مستقر.
هذه المعطيات تكتسب خطورة إضافية في سياق إقليم حدودي كفجيج، حيث الأنشطة الاقتصادية محدودة والتنويع الاقتصادي ضعيف، وحيث ظل الاقتصاد غير المهيكل يشكل صمام أمان اجتماعي لغياب فرص العمل الرسمية.
### غياب أفق واضح: بوابة لتحديات أخرى
حين يغيب الأفق الاقتصادي والمهني أمام الشباب، فإن الفراغ الناتج عن ذلك لا يبقى فارغاً، بل يُستثمر في اتجاهات أخرى قد تكون أكثر كلفة على المدى المتوسط والبعيد. فانسداد قنوات الإدماج المهني يغذي موجات الهجرة نحو المدن الكبرى أو نحو الخارج، ويوسع من رقعة الاقتصاد غير المهيكل والهشاشة الاجتماعية، كما يفتح المجال أمام العزوف السياسي والانتخابي الذي يضعف تمثيلية الشباب أصلاً في المؤسسات المنتخبة، فيتحول الغياب الاقتصادي إلى غياب سياسي مضاعف.
كما أن استمرار هذا الوضع دون معالجة بنيوية يعزز الشعور بعدم الثقة في جدوى المشاركة السياسية، وهو ما يُترجم غالباً في تراجع نسب المشاركة في التصويت لدى الفئات الشابة، رغم أنها الفئة الأكثر تضرراً من غياب سياسات عمومية فعالة.
### في المعنى السياسي للصوت والمشاركة
في هذا السياق، تستحضر تحليلات المفكر المغربي محمد عابد الجابري حول طبيعة الصراع السياسي في الوطن العربي معنى خاصاً؛ إذ يرى أن كل مطالبة بالتغيير يجب أن تبدأ من المطالبة بحق “طلب الكلمة” باعتباره حقاً لا يقل أهمية عن الكلمة نفسها. وإسقاطاً لهذه الفكرة على واقع الشباب في إقليم فجيج، فإن التحدي الأول ليس فقط في غياب برامج تنموية موجهة إليهم، بل في غياب القنوات التي تمكّنهم أصلاً من “طلب الكلمة” داخل الفضاء السياسي المحلي، قبل الحديث عن مضمون هذه الكلمة أو تأثيرها.
### أي تموقع ممكن؟
أمام هذا الواقع، يبدو أن تموقع الشباب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة بإقليم فجيج يمر عبر ثلاثة مسارات متكاملة:
– **مسار الترشح والتمثيلية:** الدفع نحو حضور شبابي فعلي في اللوائح القابلة للفوز، وليس فقط في هوامشها.
– **مسار الضغط والمساءلة المدنية:** تفعيل أدوار جمعيات المجتمع المدني والفضاءات الرقمية لمساءلة البرامج الانتخابية بمؤشرات قابلة للتتبع، خصوصاً في ملفي التشغيل والاستثمار المحلي.
– **مسار المشاركة الانتخابية الواعية:** تحويل الإحباط من العزوف إلى تصويت مشروط ومسؤول، يمنح الثقة لمن يقدم التزامات محددة وقابلة للتقييم لاحقاً.
في نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الشباب الذين سيظهرون في الحملات الانتخابية، بل في قدرة النخب السياسية بإقليم فجيج على تحويل هذا الحضور إلى تأثير فعلي في صناعة القرار المحلي، بما يليق بحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها شباب المنطقة اليوم.
—
*مصادر الأرقام: المندوبية السامية للتخطيط (HCP) – مذكرات إخبارية حول وضعية سوق الشغل بالمغرب، 2024-2025.*

التعليقات مغلقة.