أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

مكتبات الترامواي بالرباط.. مبادرة ثقافية تراهن على تقريب القراءة من المواطنين

روبورتاج حول العلاقة بين النقل الحضري والثقافة وإمكانية استثمار الفضاءات اليومية في نشر المعرفة

تتجه الأنشطة الثقافية والإعلامية بالعاصمة الرباط إلى تسليط الضوء على موضوع مكتبات الترامواي من خلال روبورتاج مدرج ضمن أجندة يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 في موضوع يفتح النقاش حول سبل تقريب الكتاب من المواطنين وتشجيع القراءة خارج الفضاءات التقليدية واستثمار وسائل النقل الحضري في نشر الثقافة والمعرفة.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به المبادرات الثقافية المبتكرة في جعل القراءة جزءا من الحياة اليومية، خصوصا في المدن التي تعرف حركة تنقل مكثفة حيث يقضي الطلبة والموظفون والمرتفقون فترات متفاوتة داخل وسائل النقل العمومي.
غير أن تقييم تجربة مكتبات الترامواي بالرباط يقتضي الوقوف ميدانيا على طبيعة هذه المبادرة والجهات المشرفة عليها وشروط الاستفادة منها ومدى إقبال مستعملي الترامواي على الخدمات الثقافية المرتبطة بها.

الثقافة تخرج من فضاءاتها التقليدية

ظلت المكتبات العمومية والمؤسسات التعليمية والثقافية لسنوات طويلة من أبرز الفضاءات التي يرتادها القراء والباحثون عن المعرفة.

غير أن التحولات التي تعرفها المدن تفرض البحث عن وسائل جديدة لتقريب الكتاب من الجمهور، وجعل القراءة أكثر ارتباطا بالحياة اليومية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى إدماج الثقافة في الفضاءات العمومية سواء تعلق الأمر بمحطات النقل أو الحدائق أو المراكز الاجتماعية أو غيرها من الأماكن التي تستقطب أعدادا كبيرة من المواطنين.
وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها أن الوصول إلى الكتاب لا ينبغي أن يظل مرتبطا فقط بزيارة المكتبات بل يمكن أن يصبح متاحا من خلال مبادرات مرنة تستجيب لاحتياجات الجمهور وأنماط تنقله.
ومع ذلك فإن نجاح مثل هذه المشاريع يظل مرتبطا بمدى توفر الكتب المناسبة وسهولة الولوج إليها واستمرارية الخدمات وقدرتها على جذب فئات مختلفة من المجتمع.

الترامواي وفضاءات التنقل اليومي

أصبح الترامواي أحد مكونات النقل الحضري في الرباط وسلا حيث يساهم في تسهيل تنقل المواطنين بين عدد من الأحياء والمراكز الحيوية.
وإلى جانب وظيفته الأساسية في النقل يتيح هذا الفضاء إمكانية التفكير في مبادرات موازية ذات أبعاد ثقافية وتوعوية، شريطة احترام شروط السلامة والتنظيم وعدم التأثير في انسيابية حركة المسافرين.
وتطرح فكرة مكتبات الترامواي أسئلة حول كيفية تنظيم الاستفادة من الكتب وطبيعة المحتويات التي يمكن توفيرها وإمكانية اعتماد وسائل رقمية تتيح الوصول إلى النصوص والمواد الثقافية خلال التنقل.
كما يمكن للتعاون بين مؤسسات النقل والفاعلين الثقافيين والمكتبات العمومية أن يفتح المجال أمام برامج للقراءة المتنقلة وعروض ثقافية دورية، وحملات تشجع الأطفال والشباب على اكتشاف الكتاب.
لكن تحديد طبيعة التجربة القائمة بالرباط ومدى ارتباطها بخدمات فعلية داخل محطات الترامواي أو عرباته يظل رهينا بالمعطيات الميدانية والرسمية المتاحة.

الشباب والطلبة في قلب المبادرات القرائية

يمثل الشباب والطلبة إحدى الفئات التي يمكن أن تستفيد من المبادرات الرامية إلى تقريب الكتاب من فضاءات التنقل بالنظر إلى ارتباط حياتهم اليومية بالدراسة والبحث والتواصل الرقمي.
ويمكن للمحتويات الثقافية القصيرة والكتب الموجهة للقراءة السريعة والمواد الرقمية الموثوقة أن تساهم في تشجيع القراءة لدى فئات لا تجد دائما الوقت الكافي لزيارة المكتبات التقليدية.
كما أن إشراك المؤسسات التعليمية والجامعات والجمعيات الثقافية في مثل هذه المبادرات قد يساعد على تطوير برامج تستجيب لاهتمامات الشباب، وتجمع بين القراءة الورقية والوسائط الرقمية.
غير أن تشجيع القراءة لا يرتبط بتوفير الكتب فقط بل يحتاج أيضا إلى برامج للتنشيط الثقافي وتقديم توصيات قرائية وتنظيم لقاءات مع الكتاب والمبدعين، وتحفيز المستفيدين على تبادل الآراء حول ما يقرؤونه.

هل تتحول أوقات الانتظار إلى فرص للمعرفة؟

يطرح موضوع مكتبات الترامواي سؤالا عمليا يتعلق بإمكانية تحويل جزء من وقت الانتظار والتنقل إلى فرصة للاطلاع والقراءة.
ففي المدن الكبرى، تشكل أوقات التنقل جزءاً من الحياة اليومية وقد يكون توفير موارد ثقافية سهلة الوصول وسيلة لتشجيع الاستفادة الإيجابية من هذا الوقت.
غير أن نجاح هذه المبادرات يتطلب مراعاة طبيعة الرحلات ومدتها ومستوى الإقبال وسهولة الوصول إلى المحتوى فضلا عن احترام احتياجات المسافرين الذين قد لا يرغبون في القراءة أثناء التنقل.
ويمكن أن تشمل الخيارات المتاحة توفير رفوف للكتب في فضاءات محددة أو إحداث نقاط لتبادل الكتب أو إتاحة محتويات رقمية عبر رموز الاستجابة السريعة إذا توفرت الشروط التقنية والتنظيمية اللازمة.
وتظل هذه المقترحات مرتبطة بإمكانات الجهات المشرفة وقراراتها ولا تعني بالضرورة أن جميع هذه الخدمات متوفرة حاليا في شبكة الترامواي بالرباط وسلا.

الاستدامة والتقييم.. شرطان لنجاح المبادرات الثقافية

تحتاج المبادرات الثقافية المرتبطة بالنقل الحضري إلى تخطيط واضح يحدد أهدافها والفئات المستهدفة وآليات التمويل والصيانة والمسؤوليات المتعلقة بتوفير المحتوى وتجديده.
كما أن تقييم نتائجها ينبغي أن يستند إلى مؤشرات عملية من بينها عدد المستفيدين وحجم الإقبال على الكتب وتنوع المحتويات، ومدى استمرار المشروع، ومستوى رضا المستخدمين.
وتبرز كذلك أهمية ضمان وصول المبادرات إلى مختلف الفئات بما فيها الأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة مع توفير محتويات متنوعة تراعي اختلاف الأعمار والاهتمامات والمستويات التعليمية.
ومن شأن اعتماد آليات للتقييم المنتظم أن يساعد على تحديد نقاط القوة والضعف، وتطوير الخدمات وفقاً لحاجيات المستفيدين بدل الاكتفاء بالترويج للمبادرة دون قياس أثرها الثقافي.

روبورتاج ميداني لتوضيح حقيقة التجربة

يتيح موضوع مكتبات الترامواي فرصة لإنجاز روبورتاج صحفي يرصد طبيعة التجربة على أرض الواقع من خلال زيارة الفضاءات المعنية، والاستماع إلى المسؤولين والمستعملين والتعرف على آليات الاستفادة من الخدمات المتاحة.
ومن المهم أن يشمل العمل الميداني التحقق من الجهة المشرفة على المبادرة وتحديد مواقعها ومعرفة طبيعة الكتب أو الموارد التي توفرها، ورصد تفاعل المواطنين معها.
كما يمكن الاستماع إلى آراء الفاعلين الثقافيين والمهتمين بالقراءة حول إمكانات تطوير هذه التجربة ومدى مساهمتها في توسيع دائرة المستفيدين من الخدمات الثقافية.
وتظل هذه المعطيات ضرورية للانتقال من تناول الموضوع بوصفه فكرة ثقافية إلى تقديم مادة صحفية موثقة تعرض واقع المبادرة وتحدياتها وآفاق تطويرها.

إن تقريب القراءة من المواطنين يظل هدفا ثقافيا يستحق الدعم خصوصا عندما يرتبط بمبادرات تستثمر الفضاءات اليومية وتبحث عن وسائل جديدة لنشر المعرفة.
عويشكل موضوع مكتبات الترامواي بالرباط مدخلا لمناقشة العلاقة بين الثقافة والنقل الحضري وإمكانات تطوير مبادرات قرائية أكثر قرباً من المواطنين مع ضرورة التحقق ميدانياً من طبيعة التجربة المعنية ونتائجها الفعلية.

“جريدة أصوات” الرباط

التعليقات مغلقة.