أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تونـــس: شح المياه ام شح الحلول ؟

"جريدة أصوات" متابعة "سلوى الجيلاني بوعلي" الدار البيضاء

تعد أزمة الماء في تونس من أخطر الأزمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين ولا تقتصر على انقطاع الماء الصالح للشراب في بعض المناطق بل ترتبط أيضا بالجفاف وتراجع مخزون السدود وتهالك شبكات التوزيع وضعف الاستثمار وارتفاع الطلب خلال فصل الصيف
وقد زادت موجات الحر والتغيرات المناخية من حدة الوضع، فأصبحت بعض المناطق وخاصة في الجنوب والوسط والأرياف تعاني انقطاعات قد تمتد ساعات أو أياما.

 

أول الأسباب هو “شح الأمطار وتوالي سنوات الجفاف” وهو ما أدى إلى تراجع الموارد السطحية والجوفية.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع استهلاك الأسر والمزارع للمياه في وقت تعاني فيه شبكات التوزيع من التسرب والقدم.

ويشير البنك الدولي إلى أن الزراعة تستهلك أكثر من 75% من المياه في تونس وأن شح المياه قد يمثل 71% من خسائر الناتج المرتبطة بالمناخ بحلول سنة 2050 .

وتوجد مشكلة أخرى تتمثل في اعتماد عدد من المناطق على الآبار ومحطات الضخ التي تحتاج إلى الكهرباء فعندما ينقطع التيار الكهربائي تتوقف المضخات فينقطع الماء بدوره كما يساهم ضعف الصيانة ونقص التجهيزات وتعقد الإجراءات الإدارية وغياب التخطيط الاستباقي في تحويل النقص الطبيعي إلى أزمة اجتماعية حادة.


خلال صيف 2026 تزامنت موجات الحر مع اضطرابات في الكهرباء والماء كما ظهرت أزمة في المياه المعدنية المعلبة نتيجة ارتفاع الطلب وتعطل بعض وحدات الإنتاج بسبب انقطاعات الكهرباء إلى جانب اتهامات بوجود احتكار ومضاربة في بعض الأسواق وأفادت تقارير صحفية بأن بعض الأحياء والقرى بقيت دون ماء صالح للشراب عدة أيام الأمر الذي دفع المواطنين إلى الاحتجاج وقطع الطرقات للمطالبة بإعادة التزويد .

وتكشف هذه الأزمة تفاوتاً واضحاً بين المناطق. فالسكان في المدن الكبرى قد يجدون حلولاً مؤقتة عبر الخزانات والمياه المعلبة بينما تواجه الأرياف والمناطق الداخلية صعوبات أكبر بسبب ضعف الشبكات وبعد مصادر التزويد. كما يتضرر المرضى وكبار السن والأطفال والمستشفيات والمرافق الحياتية لأن الماء والكهرباء شرطان أساسيان للصحة والإنتاج.


لا يعني الحديث عن إخلال الدولة إنكار أثر الجفاف أو التغير المناخي لكنه يعني أن الدولة تتحمل مسؤولية *الاستعداد والوقاية وضمان استمرارية المرفق العام*.
ومن أبرز أوجه التقصير ضعف الاستثمار في تجديد الشبكات وعدم معالجة التسربات بسرعة وغياب إعلام مسبق ومنتظم حول مواعيد الانقطاعات وعدم توفير مخططات واضحة للفئات الهشة والمناطق النائية.

كما يُطرح سؤال حول بطء تنفيذ المشاريع الكبرى وضعف التنسيق بين شركة الصوناد (الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه) ووزارة الفلاحة والسلطات المحلية وشركة الكهرباء فضلاً عن غياب الشفافية الكافية حول المخزون المائي ونسب الضياع وأسباب تعطل المشاريع.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى بيانات عن الأزمة بل إلى معرفة من المسؤول عن التأخير وما هي آجال الإصلاح.

 

وامام هذا الوضع المتردي استعانت السلطات بشاحنات الجيش والحرس لتوزيع مياه الشرب في مناطق جنوبية تضررت من انقطاع الماء والكهرباء وأن بعض المناطق عاشت انقطاعا دام أياما ما أدى إلى احتجاجات شعبية ويعد هذا التدخل مفيدا وضروريا في الحالات الاستثنائية لأنه يخفف معاناة المواطنين ويوصل الماء إلى المستشفيات والأحياء والمناطق النائية.

لكن تدخل الجيش يبقى”حلا إسعافيا لا حلا دائما“.

فالجيش يستطيع نقل الماء لكنه لا يستطيع تعويض شبكة توزيع مهترئة أو إدارة قطاع مائي كامل. وتحول المؤسسة العسكرية إلى طرف دائم في تزويد السكان بالماء سيكون مؤشرا خطيرا على ضعف المؤسسات المدنية ولذلك ينبغي أن يظل تدخلها مؤقتا ومنظما إلى حين إصلاح الشبكات وتحسين أداء المؤسسات المختصة.

تحتاج تونس إلى خطة وطنية عاجلة وطويلة المدى وإعطاء الأولوية للمستشفيات والمدارس ودور المسنين ونشر روزنامة واضحة للانقطاعات.
وعلى المدى المتوسط ينبغي إصلاح الشبكات وتقليص التسرب وتركيب العدادات الذكية وتحسين صيانة الآبار ومحطات الضخ وتطوير تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة.

 

أما في الزراعة فمن الضروري تغيير بعض الزراعات الأكثر استهلاكا للماء وتوسيع الري الموضعي ومراقبة الآبار العشوائية وتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف.
وقد وافق البنك الدولي سنة 2026 على تمويل بقيمة 332.5 مليون دولار لتحسين مياه الشرب والري وتوسيع محطة تحلية الزارات وتركيب عدادات وإعادة تأهيل الشبكات بما يفيد نحو 2.3 مليون شخص غير أن نجاح هذه المشاريع يتطلب شفافية ومتابعة ومحاسبة وعدم تركها رهينة التأخير الإداري.

أزمة الماء في تونس ليست قدرا محتوما لكنها نتيجة تفاعل الجفاف مع ضعف البنية التحتية وسوء التخطيط وتوزيع الجيش للماء يثبت خطورة الوضع لكنه لا يعفي الدولة من إصلاح الصوناد والشبكات والمنظومة المائية.
الحل الحقيقي هو الانتقال من التدخل بعد وقوع العطش إلى سياسة استباقية تضمن الماء باعتباره حقا أساسيا وشرطا للحياة والكرامة .

التعليقات مغلقة.