المرأة التونسية بين مكتسبات الثورة وتضييق المجال العام
"جريدة أصوات" الدار البيضاء
تواصل المرأة التونسية خوض مسار معقد منذ ثورة 2011 يجمع بين مكاسب قانونية ودستورية مهمة تحققت خلال سنوات الانتقال الديمقراطي وبين صعوبات اجتماعية واقتصادية وتحديات متزايدة أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة.
وقد فتحت الثورة أمام النساء مجالا أوسع للمشاركة في الشأن العام ومنحت المجتمع المدني النسائي مساحة أكبر للتعبير والتنظيم والدفاع عن الحقوق والحريات، فيما شكل دستور 2014 محطة بارزة من خلال تكريسه مبدأ المساواة وحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، إلى جانب إقرار مبدأ التناصف في المجالس المنتخبة.
وفي السياق ذاته جاء القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ليشكل أحد أبرز المكاسب التشريعية، إذ اعتمد مقاربة شاملة تشمل الوقاية والحماية والتتبع، وعرّف العنف ضد المرأة ليشمل الأضرار الجسدية والمعنوية والجنسية والاقتصادية فضلا عن التهديد والضغط والحرمان من الحقوق والحريات في الحياة العامة والخاصة.
غير أن أهمية هذه النصوص تظل مرتبطة بمدى تنفيذها على أرض الواقع، وبقدرة المؤسسات على توفير الموارد والخدمات وآليات الحماية اللازمة للنساء وهو ما ظل موضع نقاش وانتقاد من منظمات حقوقية ومدنية.
وعلى المستوى السياسي أفرزت آليات التناصف حضورا نسائيا لافتا في المؤسسات المنتخبة، حيث وصلت النساء إلى 68 مقعداً في مجلس نواب الشعب عقب انتخابات 2014، كما شكلت النساء نسبة مرتفعة من أعضاء المجالس البلدية بعد انتخابات 2018. إلا أن تعديلات النظام الانتخابي بعد ذلك غيّرت شروط المشاركة، وأصبحت المنافسة السياسية أكثر ارتباطا بالقدرة على توفير الشبكات المحلية والموارد المالية والحضور التنظيمي.
وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي، لا تزال المفارقة واضحة بين ارتفاع مستويات تعليم النساء وبين محدودية مشاركتهن في سوق العمل، إلى جانب استمرار التفاوت بين المناطق الساحلية والداخلية، واستمرار العنف ضد النساء، بما يكشف عن فجوة بين التقدم التشريعي والواقع اليومي.
وبعد 25 يوليوز 2021، برزت مرحلة جديدة من الجدل حول وضع النساء في المجال العام، خصوصا مع اتساع القضايا التي طالت شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية معارضة، لتظهر في الخطاب الحقوقي عبارة «سجينات الرأي» باعتبارها توصيفا تستخدمه منظمات حقوقية للحالات التي ترى أنها مرتبطة بممارسة حرية التعبير أو النشاط السياسي والحقوقي وليس باعتبارها تصنيفا قانونيا تونسيا مستقلا.
ومن بين أبرز الأسماء التي حضرت في هذا النقاش عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، وسنية الدهماني المحامية والإعلامية، وشيماء عيسى، الناشطة السياسية مع اختلاف طبيعة الملفات والتهم والمسارات القضائية الخاصة بكل واحدة منهن.
وفي حالة عبير موسي، أصدرت محكمة الاستئناف بتونس في مارس 2026 حكما بسجنها عشر سنوات في إحدى القضايا، بعدما كانت المحكمة الابتدائية قد قضت في ديسمبر 2025 بسجنها 12 سنة في القضية نفسها، وفق منظمة العفو الدولية التي اعتبرت محاكمتها غير عادلة وطالبت بالإفراج عنها وإسقاط التهم. وفي المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن هذه الملفات تندرج ضمن تطبيق القانون والقضايا المعروضة على القضاء.
أما سنية الدهماني، فقد واصلت مواجهة أحكام قضائية على خلفية تصريحاتها ومواقفها، إذ قضت محكمة تونسية في مايو 2026 بسجنها عامين إضافيين على خلفية انتقادها لظروف السجون، وفق ما أوردته تقارير صحفية نقلاً عن محاميها.
وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة لأنها تضع مسألة حرية التعبير أمام اختبار حساس، خصوصا بالنسبة إلى النساء اللواتي يشغلن مواقع عامة أو يمارسن مهن الصحافة والمحاماة أو ينخرطن في النشاط السياسي والمدني.
كما أصبح المرسوم-القانون عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال جزءا أساسيا من هذا الجدل في ظل مخاوف حقوقية من تأثير استخدام النصوص الجزائية المتعلقة بالتعبير على الصحفيين والنشطاء والمعارضين، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من رقابة ذاتية واستنزاف مهني وشخصي.
ولا يعني وضع أسماء موسي والدهماني وعيسى في سياق واحد أن تجاربهن أو الملفات القضائية الخاصة بهن متطابقة، وإنما يعكس اختلاف المواقع التي يمكن أن تظهر فيها المرأة المعارضة داخل المجال العام، فهي قد تكون رئيسة حزب أو محامية أو إعلامية أو ناشطة سياسية، فيما يبقى السؤال المشترك مرتبطا بحدود المجال المتاح أمامها للتعبير والمشاركة وممارسة النشاط العام.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال تجربة المرأة التونسية بعد الثورة في صورة واحدة، لأن السنوات الماضية أفرزت بالفعل مكتسبات قانونية ومؤسساتية ومدنية مهمة، كما عززت قدرة النساء على الحضور في النقاش العام والدفاع عن حقوقهن ومواجهة أشكال مختلفة من التمييز والعنف.
لكن هذه المكاسب لا تصبح واقعا مستقرا بمجرد وجودها في النصوص القانونية، إذ تحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات فعالة، وخدمات حماية ممولة، وتمثيل سياسي حقيقي، وفضاء عام يسمح للنساء بالتعبير والمشاركة دون خوف من الإقصاء أو الملاحقة.
وهنا تبدو المفارقة التونسية أكثر وضوحا: فالدولة التي راكمت إرثا قانونيا مهما في مجال حقوق المرأة تجد نفسها اليوم أمام تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة، فيما تتقلص، وفق قراءات حقوقية، مساحة المشاركة الحرة في المجال العام.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط ما الذي حققته المرأة التونسية منذ الثورة، وإنما أيضا ما الذي بقي من الوعد الذي حملته تلك المرحلة، وهل تستطيع المكتسبات القانونية أن تصمد أمام التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد بعد 2021؟
وتتجاوز الإجابة عن هذا السؤال وضع النساء اللواتي دخلن في صدام مع السلطة، لتصل إلى صورة المجتمع التونسي بأكمله، لأن قدرة المرأة على أن تكون محامية أو صحفية أو قائدة حزب أو ناشطة، وأن تنتقد السلطة بصورة سلمية دون أن يتحول خطابها إلى مسار قضائي، تشكل أحد المؤشرات المهمة على طبيعة المجال العام ومستقبل الحقوق والحريات في تونس.
وبذلك، لا تبدو تجربة المرأة التونسية اليوم قصة «مكتسبات ضائعة» بالكامل ولا نموذجا تقدميا مكتمل الأركان وإنما مسارا مفتوحا تتداخل فيه مكتسبات دستورية وتشريعية حقيقية مع فجوات اقتصادية واجتماعية، وتحديات متزايدة أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير.
متابعة: “سلوى الجيلاني بوعلي” الدار البيضاء

التعليقات مغلقة.