أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الزواج بلا شراكة: بيت قائم ومعنى غائب

لم يعد الخلل داخل بعض البيوت الزوجية مرتبطاً فقط بالفقر أو البطالة أو غياب الإمكانيات، بل بات، في حالات متزايدة، نتاج اختلال أعمق في معنى الشراكة نفسها، حين تتحوّل العلاقة الزوجية إلى ميزان قوة غير معلن، وتُختزل وظيفة الزوج في التمويل، بينما تُفرغ الحياة الأسرية من مضمونها الإنساني والعاطفي. هنا لا نتحدث عن المرأة العاملة كقيمة إيجابية ومكسب اجتماعي، بل عن نموذج محدد من السلوك، حين تعمل المرأة الرجل لا البيت، وتُدير العلاقة بمنطق السيطرة لا المشاركة.
في هذا النموذج، يُستثمر صمت الزوج لا احتراماً له، بل استسهالاً لتجاهله. يُنفق المال دون مراعاة، لا لأن الحاجة تفرض ذلك، بل لأن غياب المحاسبة يُغري بالمزيد. يُهمَّش حضور الزوج العاطفي، لا بسبب ضغط العمل أو تعب الحياة، بل لأن العلاقة تحوّلت إلى معادلة باردة: الرجل مصدر دخل، والبيت مساحة حرية فردية بلا التزامات مشتركة. وهنا يبدأ السؤال المؤلم: هل ما زال الزوج شريكاً، أم مجرد “بنك” يُسحب منه بلا مساءلة؟
بعض النساء، في هذا السياق، لا يعشقن بناء بيت زوجي بقدر ما يعشقن الإحساس بالتحرّر داخل علاقة غير متوازنة. ليس تحرّراً من قيود ظالمة، بل تحرّراً من فكرة الشراكة نفسها. الحرية هنا لا تعني المسؤولية المشتركة، بل غيابها. لا تعني النضج، بل الانفلات. ولا تعني الاستقلال، بل الاستفراد بالقرار، وبالوقت، وبالمال، وبالاتجاه، بينما يُترك الزوج في هامش الحياة الزوجية، حاضراً شكلاً، غائباً مضموناً.
الأخطر أن هذا السلوك غالباً ما يُغلَّف بخطاب عصري مزيّف: “أنا حرّة”، “أنا مستقلة”، “أنا لا أحتاج أحداً”. لكن الاستقلال الحقيقي لا يُبنى على تهميش الآخر، ولا تُقاس الحرية بقدرتنا على تجاهل شريك الحياة. فالزواج ليس ساحة صراع ناعم، ولا مشروع هيمنة مؤجلة، ولا عقد صمت من طرف واحد. هو شراكة وجدانية قبل أن يكون ترتيباً مادياً.
وفي حالات أخرى، يتسلّل بعد نرجسي إلى العلاقة، حيث تصبح المرأة مركز الكون داخل البيت، تُقاس القرارات بمدى خدمتها لرغباتها الآنية، ويُختزل الزوج في دور ثانوي لا يُستشار ولا يُحسَب حساب مشاعره. وحين يغيب الإحساس بالزوج، يغيب معه معنى الأسرة. فالمال لا يعوّض الاحتواء، والحرية لا تبرّر الإهمال، والقوة داخل العلاقة لا تصنع استقراراً، بل تؤجّل الانفجار.
غير أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد. فصمت الزوج المستمر، وتنازله غير المبرّر، وتهرّبه من المواجهة، يفتح الباب واسعاً أمام هذا الخلل. الصمت ليس دائماً حكمة، وأحياناً يكون تواطؤاً مع تهميش الذات. العلاقة الصحية لا تُبنى على الخوف من الخلاف، بل على الشجاعة في تصحيح المسار قبل أن يتحوّل البيت إلى فندق، والزواج إلى عقد خدمات.
هذه الافتتاحية ليست هجوماً على النساء، ولا إنكاراً لدورهن، بل صرخة في وجه سلوكيات تُفرغ الزواج من معناه، وتحوّل الاستقلال إلى أنانية، والحرية إلى إهمال، والقوة إلى سيطرة. فالمرأة القوية لا تعمل الرجل، بل تبني معه. والمرأة الحرة لا تُقصي شريكها، بل تختار أن تكون شريكة كاملة، واعية بأن البيت لا يُدار بالمال وحده، ولا بالصمت، بل بالاحترام المتبادل، والإحساس، والمسؤولية المشتركة.
وإلى أن نواجه هذه الحقائق بلا مجاملات، سيظل كثير من البيوت قائمة شكلاً، منهارة معنى، وسنواصل طرح السؤال الخطأ: من المخطئ؟ بدل السؤال الأهم: كيف ضاعت الشراكة؟
مع استمرار هذا النمط من السيطرة والإهمال، تبدأ النتائج الملموسة بالظهور بسرعة، خصوصاً على الزوج والعلاقة نفسها. إذ يترك هذا النوع من النساء المجال مفتوحاً للزوج ليبحث عن بدائل أخرى عاطفياً أو نفسياً، فتتولد لديه الحاجة لإيجاد مساحة أمان واحتواء لم يعد يحصل عليها داخل العلاقة الزوجية. هذا الفراغ العاطفي يجعل الزوج يشعر بخطر مستقبله، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل على مستوى استقرار بيته ومستقبل أسرته.
ومع تراكم شعور التهميش والإهمال، يبدأ الزوج في التفكير بشكل جدي في فسخ العلاقة أو الانسحاب النفسي الكامل، متوقفاً عن بذل الجهد في العلاقة، ومعطلاً نفسه عن تحمل أي مسؤولية إضافية تجاه بيت أو شريك لم يعد يشعر معه بالاحترام أو التقدير. هذا الانسحاب لا يكون مجرد فكرة، بل يصبح ممارسة يومية: صمت متزايد، ابتعاد عن النقاشات، توقف عن الاهتمام بالأنشطة المشتركة، وحتى الامتناع عن المشاركة في التخطيط للمستقبل.
النتيجة النهائية، إذا لم يتم معالجة هذا الخلل سريعاً، هي انهيار العلاقة على المستويين النفسي والمادي، حيث يجد الزوج نفسه مضطراً للابتعاد أو البحث عن تعويض عاطفي خارج الزواج، بينما تظل المرأة التي اختارت السيطرة والحرية دون مراعاة طرفها الآخر، تواجه وحدتها وعواقب قراراتها. ما كان يمكن أن يكون زواجاً متوازناً وشراكة قائمة على الاحترام، يتحوّل إلى علاقة قائمة على الغياب النفسي والصمت المميت، ويخسر الجميع: الزوج، الزوجة، والأهم، البيت والأسرة.
وهكذا، تتحقق النتيجة الطبيعية لمن اختارت العمل بالرغبة الفردية والأنانية على حساب الشراكة: الفراغ، الانسحاب، الانكسار النفسي، وفقدان الثقة. والرسالة واضحة: الزواج ليس ساحة لإثبات الحرية المطلقة، ولا مكاناً لتصفية الحسابات النفسية، بل شراكة تتطلب الاحترام، والمراعاة، والمشاركة الحقيقية.

التعليقات مغلقة.